أصدقاء الدكتور علي القاسمي

علي القاسمي: دير ياسين

 

علي القاسمي: دير ياسين

علي القاسميفصلة من رواية "مرافئ الحب السبعة"

نقلا عن صحيفة المثقف

كانت الحافلة التي أقلت سليم وزكي من بغداد إلى بيروت تطوي الصحراء المترامية الأطراف طيّاًّ، والطريق تمتدُّ تحت أشعةِ القمر الفضيَّة امتدادَ البصر. لا شيءَ يحجب البصر أو يصدُّه في الصحراء، لا شيء سوى الرمال، رمال بِكر لم يطرقها طارق، ولم ينبت فيها نبت. تصرف عينَيكَ عنها إلى السماء لترى القمر مضيئاً ومحاطاً بالنجوم اللاهثة،فتشعر بعظمة الكون واتّساعه. وتعجب من امتداد الصحراء وشسوعها. ينطلق العقل من عقاله مبهوراً بين رمال الصحراء الذهبيَّة والنجوم الفضيّة اللامعة، وتقول في نفسكَ لا غرو أنَّ جميع الأديان السماويَّة الكبرى وُلدت في هذه البيداء، لأنّ أفكار السماء لا يتسع لها مكان إلا إذا كان باتساع هذه الصحراء.

نام معظم الركّاب في مقاعدهم، حتّى زكي الذي لم يفُه إلا بجملةٍ واحدةٍ بعد أن تحرّكت الحافة في بغداد:

- ها أنا ذا أغادر بغداد دون أن أودِّع حميدة وهي على بُعد خطواتٍ معدودةٍ مني!

على حين ظلَّ سليم ذاهلاً صامتاً، ولم يحطَّ على عينَيه طائرُ النوم.

إلى جانب سليم في الحافلة، جلس رجلٌ فلسطينيٌّ في الثلاثينيّات من عمره. بقي هذا الرجل يتطلَّع، مثل سليم، من النافذة إلى السماء والصحراء. التفتَ إلى جهة سليم فالتقت نظراتهما. قرأ سليم في عينَيه رغبةً في الكلام. كان يريد أن يتحدَّث إليه أو إلى أيّ إنسان، أو يحدّث نفسه بصوتٍ مسموع. قال له سليم:

ـ هل هيجتْ قريحتَكَ الصحراء؟

ـ ليست الصحراء، بل الاقتراب من الديار.

سأله سليم:

ـ من أيِّ بلدةٍ أنت؟

ـ دير ياسين، دير ياسين.

كان اسمها كافياً لفتح الجرح فاغراً في القلب. لم يقُل سليم شيئاً ولكنَّ عينَيه تضرَّعتا إلى الرجل أن يتحدَّث إليه، أن يزيد الحزن اشتعالاً، والجرح إيلاماً. قال الرجل:

" كنت نائماً مع أُمّي وأخي الكبير وأختي الصغيرة. أفقنا بعد منتصف الليل على صوت المدافع، ولعلعة الرصاص، من جميع الجهات. كان عمري تسعة أعوام. لن أنسى ذلك اليوم. خرج أخي الكبير ليستطلع الأمر. عاد بعد قليل بسرعةٍ: اليهود يهاجمون القرية. كانت دير ياسين بلدةً صغيرةً جميلةً على ربوةٍ عالية. وكانت بيوتها المبنيَّة من الحجر الأبيض تنتشر على السفوح بشكل متناسق جميل، وقد أحاطت بها أشجار الصنوبر والأشجار المثمرة. لم يكُن أبي معنا تلك الليلة، كان يقوم بالحراسة مع عمّي وخالي. عمّي كان مسؤولاً عن المدفع الرشاش المنصوب على أحد مدخلي القرية. أخذَنا أخي الكبير إلى طريق عين كارم، وأعطاني أُختي الصغيرة أحملها على ظهري، لأواصل السير مع عدد من الأطفال الآخرين وبعض النساء، ودَّعنا على عجلٍ وعاد. مررنا على مدرستي الصغيرة. كان الرصاص يمرّ فوق رؤوسنا مثل المطر. كانت دير ياسين مثالاً للتسامح والتآخي. حتّى اسمها مركّب من ديرٍ بناه راهبٌ مسيحيٌّ منذ قرون واسم مسجد القرية الذي بناه الشيخ ياسين. عند انبلاجِ الفجر كنا منهكين مذعورين. توقّفنا على ربوة في الطريق تطلُّ على سفح القرية. رأينا من بعيد اليهودَ يقتحمون بيوت القرية، يجمعون النساء والأطفال والشيوخ، يجعلونهم يقفون أمام  جدار ويطلقون النار عليهم. كان بيتنا في منطقة الجلجال ليس بعيداً عن الجملونة أو الخربة. كان أهالي القرية لا يتجرأون على دخولها ظنّاً منهم أنَّ القبور بداخلها مسكونة. لم أرَ والدي ولا أخي ولا أُمّي بعد ذلك اليوم. أُمّي بقيت تساعد الجرحى. قتل اليهود أكثر من 250 شخصاً في يومٍ واحد. إنّها مجزرة.  مجزرة..."

ثمَّ أطرق زيدان قليلاً، ورفع رأسه وأضاف:

ــــ إنَّ الصهاينة يستلهمون تراثهم الحربيّ كما ورد في الأسفار التي كتبها أحبارهم، وهي مليئةٌ بالحقد والكراهية. ففي سِفر يشوع 16:22: "وحرِّموا كلَّ ما في المدينة من رجلٍ وامرأة، من طفل وشيخ حتّى البقر والغنم والحمير بحدِّ السيف." وفي سِفر صموئيل15:3:" فالآن اذهب واضرب عماليق وحرِّموا كلَّ ما له، ولا تعفُ عنهم، بل اقتلْ رجلاً وامرأةً وطفلاً ورضيعاً وبقراً وغنماً وجملاً و حماراً". فتراثهم لا يشتمل بالمقابل على وصيةٍ مثل وصية الخليفة أبي بكر الصديق إلى يزيد بن أبي سفيان، قائدِ أحد الجيوش المتوجِّهة إلى الشام لتحرير أهلها من قبضة الرومان: " إنّي موصيكم بعشر كلماتٍ فاحفظوهن: لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا صبياً صغيراً، ولا امرأةً، ولا تهدموا بيتاً أو بيعةً، ولا تقطعوا شجراً مثمراً، ولا تعقروا بهيمةً إلا لأكل، ولا تحرقوا نخلاً ولا تغرقوه..."، وهي وصية نعلّمها لأبنائنا في المدارس، وقد سبقت مفهوم الغرب لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بأكثر من ألف وأربع مئة سنة.

كان اسمه زيدان. وكان عائداً من بغداد في طريقه إلى لبنان، ليلتحق بالفدائيِّين الفلسطينيِّين. وكانحعلي القاسمي

.........................

* علي القاسمي. مرافئ الحب السبعة ـــ رواية ـــ ط1 (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2012)، وللرواية عدَّة طبعات؛ وهي متوافرة على الشابكة للقراءة والتحميل في موقع "أصدقاء الدكتور علي القاسمي".

المشاركون في هذه المحادثة

    تعليقات (32)

    1.  

    النص الذي قرأته المنشور يدل على أن الرواية رائعة جدا بل أكثر من ذلك سأحمل الرواية لأتابع قراءتها ولا عجب فالدكتور القاسمي كاتب كبير مقتدر في التأليف والترجمة والبحث الأدبي
    إنه قامة أدبية كبيرة
    قصي عسكر

    أخي العزيز الشاعر الأديب الناقد الروائي الكبير الدكتور قصي الشيخ عسكر حفظه الله ورعاه،
    كان تعليقك الكريم أول تعليق يُنشر على هذه الفصلة الصغيرة من روايتي. وكان شكري أول شكر كتبته في تعليقات هذا النص، ورأيتُه يومين ثم اختفى. فآسف لما حدث، وأود أن أؤكّد لك أنني شاكر وممتن لك ، وأفتخر بكلماتك الطيبة ورضاك عن هذه الفصلة. كما سأذكر باعتزاز أنك ستقرأ الرواية نفسها، وهذأ منتهى الأمل.
    تمنياتي لك بموفور الصحة والهناء وموصول الإبداع والعطاء.
    محبكم: علي القاسمي

    لله درّك فارسا مغوارا
    في العلم أو في القص صرت منارا
    وطني بمثلك كم يضيء ويجتني
    من فيض إبداع منحت الدارا

    رواية إبداع أدبي رفيع بدلالات وإيحاءات تشكل، إلى جانب المجموعات القصصية للكاتب العلامة الدكتور علي القاسمي، مشروع أمة على المستويين القطري والعربي.

    أخي الحبيب الكاتب السياسي الأديب الأستاذ الحسين بوخرطة حفظه الله ورعاه،
    أشكرك على كلماتك الطيبة التي أعتز بها، لأنها صادرة عن ناقد يمارس كتابة القصة، ومعظم قصصه القصيرة مشروعات لروايات طويلة رائعة.
    تمنياتي لك بالصحة والهناء والإبداع والعطاء.
    مع خالص مودتي واحترامي.
    محبكم: علي القاسمي

    من الروايات الغنية بما هو طريف ومتميز ومغاير لما هو مألوف ومعروف ونمطي في روايات الصراع الحضاري بين الشرق والغرب...ففيها الصراع وفيها الحوار وفيها التعايش والتفاعل...بكل هذه المواصفات هي التي ارتقت بها لتكون من بين الروايات المتميزة في هذا الموضوع...

    أخي الحبيب الناقد الأدبي الكبير الأستاذ الدكتور عبد المالك أشهبون حفظه الله ورعاه،
    سعدتُ بإطلالتك المباركة على هذه الفصلة من رواية " مرافئ الحب السبعة" التي واكبتها أنتَ أثناء إعدادها وقبل دفعها للنشر، ولولا ملاحظاتك القيمة وإفادتي من كتبك العديدة عن السرد والرواية بالذات، لما أصبحت روايتي على ما هي عليه.
    فشكراً جزيلاً لك على ما قدمت من خدمات جليلة للأدب العربي المعاصر.
    محبكم: علي القاسمي

    رحلة وأحاديث تؤرخ لجانب إنسانيّ بتفاعلاته التي تستلهم من التاريخ
    لكشف المستور بشهادات على الزمن الملوث الذي لا تطهره الشهادة
    في سبيل الله .
    تحية تليق د - علي القاسمي على هذا الفيض الروائي الذي غطى
    مساحة كبيرة من أرض العروبة من بغداد إلى فلسطين .
    ودمت في رعاية اللهع وحفظه.

    أخي العزيز التربوي الأديب الأستاذ تواتيت نصر الدين حفظه الله ورعاه،
    فعلاً، أنت أصبت الحقيقة. فهذه الفصلة من الرواية، اعتمدت على سلسلة من البحوث التي أجرتها جامعة النجاح في نابلس بعنوان " القرى الفلسطينية المدمَّرة" اعتماداً على شهادات ابناء تلك القرى والسجلات الإدارية، ونشرتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة وترجمتها الى اللغتين الإنكليزية والفرنسية، عندما كنتُ مديراً للثقافة والاتصال بالمنظمة في التسعينيات من القرن الماضي.
    وهذه الرواية فيها الكثير من السرد المعجون بالمحبة عن المغرب والجزائر العزيزين.
    تمنياتي لك بالصحة والخير، وموصول الإبداع والعطاء.
    معزّكم: علي القاسمي

    الزمن الملوث الذي لا تطهره إلاّالشهادة
    عفوا على نسيان الإستثناء في الرد .. وشكرا

    أخي الحبيب تحيه طيبه
    إن القضيه الفلسطينية هي قضية كل إنسان عربي شريف وأنا فخور بكتاباتك عنها كما أنا فخور باستشهاد إبن عمتنا كاظم في فلسطين عام ٩٤٨ شكرا جزيلا

    شقيقي العزيز أبو أسامة حفظه الله ورعاه
    شكراً لتجاوبك الكريم مع كتاباتي.
    وأنا فخور بك كذلك . وأسأل الله أن يمتعك بالصحة والخير والهناء.
    أخوك: علي القاسمي

    1.  

    تحية طيبة للجميع؛
    إنها بالفعل لرواية باذخة بالدلالات القيمية التي تتساند وإحكام النسج السردي، وفق عوالم متباعدة ومتقاربة في الآن ذاته. ويبقى إبداع المرافئ نابضا بالحياة، مؤسسا لعلاقات متجاورة، دأبها الدفاع عن أكثر قضايانا العربية تداولا.

    عزيزتي الأديبة الأستاذة فتيحة غلام حفظها الله ورعاها.
    شكراً جزيلاً لمرورك بهذه الفصلة التي نشرتُها في هذه الأيام العصيبة تذكيراً بأن القضية الفلسطينية هي قضية العرب والمسلمين جميعاً.
    إن جهاد الشعب الفلسطيني البطل، هو دفاع عن مصالحنا جميعاً، ولكن هذا لا يعفينا من واجبنا الأساسي اتجاه قضيتنا.
    تمنياتي لك بالصحة والسعادة والخير.
    علي القاسمي

    عمي العزيز الغالي..
    حفظك الله لنا وللعراق والوطن العربي ذخرا ساميا، سرد جميل ونص متين لا تحتاج لكلماتي بل احتاج انا لك لتعلمني الكثير .
    ابن اخيك :امير يوسف القاسمي

    ابن أخي العزيز الأستاذ أمير يوسف القاسمي حفظه الله ورعاه،
    أشكرك على كلماتك الطيبة بحق هذا النص من الرواية.
    إنني أعتز بك وأفتخر بكلماتك.
    تمنياتي الطيبة وتحياتي الحارة لك وللأهل الأعزاء.
    عمّك المشتاق : علي

    انعم واكرم خير من يكتب وخير من يقص لنا بصدق الحرف ونبل الكلمة بحقيقة الحقيقة وبثقة لا يكبرها غير ضوء حرفه ، شوقتنا يا استاذي الجليل الى قراءة القصة بكاملها وليتني احصل على نسخة ورقية منها لأن للورق نكهة طيبة ورائحة زكية . تلميذتك هدى عبد الحر . كاتبة عراقية.

    عزيزتي الأديبة الناقدة المتألقة الأستاذة هدى عبد الحر.
    شكراً على تشجيعك الكريم.
    في هامش هذا النص، يوجد عنوان الموقع الذي في وسعك تحميل الرواية منه وسحبها على الورق.
    وإذا أردت نسخة من طبعة المركز الثقافي، ففي مقدورك اقتناؤها من ( مكتبة الحكمة) في بغداد.
    مع أطيب التمنيات لك بالصحة وموصول الإبداع والتألق.
    علي القاسمي

    القاص والروائي المبدع د. على القاسمي
    ما أجمل هذه اللغة السردية الصافية والنقية نقاء ضوء القمر
    ومع تجديل أنفاس الحوارات والمعاني جعل النص ثرياً ثراء الفكرة وعميقاً عمق الأصداء الإنسانية.
    ورغم كون الحوار به أثقالاً من الهموم حول مذابح فلسطين( دير ياسين)، لكنه سرعان ما يزيحها فاتحاً الأمل لغد مشرق
    طالما توجد هناك إرادة للإنسان الفدائي الحر.. وتظهرها المقارنة بين (تراث الإرهاب وتراث السلام والحب).
    فهذا التناقض الصارخ يفضح دموية الكيان الصهيوني الغاصب، فمع اشتداد العنف سيكون ضعف الاحتلال واضحاً
    ولأول وهلة يعد السرد نضالاً وتحريراً مضمراً لواقع كئيب في طريقه إلى زوال
    دام قلمكم المعطاء والحُر

    أستاذنا المفكر الأديب المتألق الدكتور سامي عبد العال حفظه الله ورعاه.
    أسعدني استحسانك الفصلة التي نشرتُها من روايتي " مرافئ الحب السبعة" في هذه الأيام العصيبة التي يمر بها إخواننا الفلسطينيون وهم يدافعون عن القدس الشريف وعن إنسانية الإنسان.
    وكما تفضلتَ في تعليقك العميق المعنى، فهذه الرواية ليست رواية شخصيات، بل هي رواية قضايا تشغل جميع المفكرين الأحرار مثلك.
    والقضية الأساسية هي : أي نظام يقوم على العنف والإرهاب والفصل العنصري ومصادرة حقوق الغير فقط هو زائل لا محالة لأنه مناف للطبيعة الإنسانية المسالمة الخيرة في جوهرها.
    تمنياتي لك ـ أخي العزيز ـ بموفور الصحة والهناء وموصول الإبداع والعطاء.
    محبّكم: علي القاسمي

    الاديب العلامة
    هذا جوهر الابداع الحقيقي والاصيل , أن يقدم شيئاً ملموساً في المغزى العميق الدال . ان يملك تصور عميقاً لمجريات الاحداث الجارية وتفاعلاتها الداخلية والخارجية . ان ترسم بأحساسها العميق مصداقية الواقع ومجرياته بالصورة القائمة والماثلة للعيان . اضافة الى انها تنطلق بصدق الاحساس الوطني والقومي , تتعرض لمعاناة الواقع , بدون شك ان الاديب الكبير القاسمي , يملك مشروعاً ناضجاً في فن السردي بأشكاله القصة والرواية , يعتمد على عدة توجهات عميقة فكرية وفلسفية , تملك ارضية صلبة , يتناول اعقد المسائل العوصية بشفافية مشوقة في لغة السرد الجميلة . لذلك نجد ان الحدث السردي يحمل تبعيات وعتبات جوهرية من الواقع وخلفيته . من عمق ثقافته وخبرته الواسعة . بدون شك ان كل عراقي . أو كل فلسطيني يحمل مأساة في داخله . يحمل معاناة أنسانية في جوانحه . يحمل تبعيات بأنه ضحية لقوى الغاشمة وباطشة . تتشكل في اوجه متعددة من الصور , لكن هدفها واحد , هو قمع الانسان واضطهاده الى حد التنكيل والموت . سواء في العراق أو في فلسطين المحتلة من الغاصب الاسرائيلي . وكلا الجانبين ( العراقي والاسرائيلي ) يملكان اسلوباً وحشياً لتدمير الانسان واضطراره الى الرحيل والهجرة . فالحافلة التي حملت ( سليم وزكي ) التي اقلتهم من بغداد الى بيروت , هرباً من بطش السلطة الطاغية , في نفس الحافلة تحمل ايضاً رجلاً فلسطينياً في الثلاثين من عمره , يحمل مأساة دموية من بطش الاحتلال الاسرائيلي , الذي هجم على قريتهم وهم نيام , واحدث مجزرة رهيبة بحق اهالي القرية , من أطفال ونساء ورجال عزل طالهم الموت فقد سقط الرصاص على رؤوسهم ليحصد 250 شخصاً في يوم واحد , ومن المآسي الانسانية لهذا الشعب الفلسطيني المظلوم والمسلوب اراضيه , اذا كان في الماضي يسقط الرصاص على رؤوس الناس , اصبح الحال اليوم , صواريخ تسقط على رؤوس الناس , وتهدم الحجر والصخر والشجر . وما يتعرض له شعب غزة انه ابادة جماعية يرتقي الى الجرائم الابادة . وكما كانوا حكام العرب في الماضي مصابين بمرض الجبن والخوف , فاليوم هذا المرض اصبح اكثر خطراً من الخنوع والذل والمهانة , مجلجلين صدورهم بأوسمة الخزي والعار ... . والمشروع الابداعي في اسلوب السرد وتقنياته , دائما مصحوباً برؤية فكرية وفلسفية عميقة يطرحها بشكل خلاق من خلال الحدث السردي . ليعطي عمق الفرق الهائل في الاخلاق والسلوك الانساني الناصع . لكي يبين الفرق الهائل بين الانسانية والوحشية , في وصايا الخليفة أبي بكر الصديق ( رض ) في وصاياه العشر الى قائد الجيش لكي يحرر الشام واهلها من قبضة الرومان , ان يلتزم بهذه الوصايا العشر ( " إنّي موصيكم بعشر كلماتٍ فاحفظوهن: لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا صبياً صغيراً، ولا امرأةً، ولا تهدموا بيتاً أو بيعةً، ولا تقطعوا شجراً مثمراً، ولا تعقروا بهيمةً إلا لأكل، ولا تحرقوا نخلاً ولا تغرقوه..."، ) أين هذه الاخلاق الانسانية , من الوحشية الاسرائيلية المدمرة . هذا الفرق الشاسع بين الانسانية والوحشية التي تربت على الاجرام والحروب والابادة لشعب اغتصب حقه وارضه . ان هذا الطرح العميق والبليغ , أفضل من الف خطاب سياسي رنان مزين بالشعارات الجوفاء عمرها لم تقتل ذبابة . هذا العمق الفكري البليغ طرح من خلال سرد وحكاية بسيطة ومتواضعة لكنها تملك عمق فكري واسع الدلالات .
    بالمناسبة عندنا اغنية مشهورة تقول ( ألما يزور السلمان , عمره خساره ) وهي تدل بأن السياسين الرصين والجاد لابد أن يكون قد مر بالسلمان ( هو سجن نقرة السلمان لسجناء الرأي السياسي ) .
    وانا بدوري اقول وحسب رأيي ( ألما يقرأ رواية مرافئ الحب السبعة , عمره خسارة ) لانها افضل ما وصل اليه الابداع السردي الخلاق العربي , رواية في مصاف الروايات العربية العملاقة القليلة .
    ودمت بخير وصحة صديقي الاعز والكبير

    صديقي الأثير المفكر الناقد الأديب الأستاذ جمعة عبد الله حفظه الله ورعاه،
    شكراً من القلب على تكرُّمك بالتعليق على هذه الفصلة من روايتي " مرافئ الحب السبعة" التي سبق أن حظيت بقراءة فاخرة بقلمك المبهر.
    كل ما تكتبه يثير في أعماقي أفكاراً كثيرة لا أدري بأية فكرة أبدأ.

    الفكرة الأولى هي أن الناقد النابه يرى في العمل الأدبي ما لا يراه صاحبه الذي أنتجه. فأنا لم أنتبه إلى دلالة جلوس سليم العراقي إلى جانب زيدان الفلسطيني في الحافلة التي أقلتهما من بغداد إلى بيروت: الفلسطيني للانضمام إلى المجاهدين ومصيره الموت، والعراقي إلى المنفى، والمنفى يساوي الموت ، كما في قصائد الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي: " يا لها من بنت كلبةْ/ هذه الدنيا التي تُشبعنا موتاً وغربةْ"، وكما أكَّد لي هو نفسه أثناء لقاءاتنا العديدة في المغرب والأردن في الثمانينات والتسعينيات، وكما شرح ذلك في دراسته " تجربتي الشعرية".

    المسألة الثانية، تقول إنَّ المقولة العراقية " اللي ما يزور السلمان، عمرُه خسارةْ"، تشير إلى سجن نقرة السلمان، على حين أنني أفهم أنها تشير إلى ضريح الصحابي سلمان الفارسي (سلمان باك) الذي أرسله الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب إلى المدائن (قطسيفون) عاملاً على العراق بعد انتهاء سيطرة الساسانيين عليه نتيجة انتصار المسلمين عليهم في معركة القادسية سنة 15 هـ/636م. ويقوم البغداديون بالتنزّه أثناء الأعياد في تلك المنطقة لجمالها. فأرجوك التأكد من أصدقائك البغداديين، لمعرفة أيهما المقصود بهذه المقولة.

    أما بقية المسائل، فسأناقشها معك أثناء تشريفك لي بزيارتك الموعودة إلى المغرب العزيز إن شاء الله.
    وتقبّل من أخيك أطيب التمنيات لك بالصحة والخير والهناء ودوام الإبداع والعطاء.
    محبّكم : علي القاسمي

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته استادي الكريم.
    اكيد فصل من رواية مرافىء الحب السبعة ...على مادا سيحكي ....اكيد سيبرز لنا أغلى حب ...حب الوطن ...هوية و كيان ووجود ....هدا الفصل يعيدناو بداكرتنا لمجزرة دير ياسين ...جيلنا سمع عنها أو عايش ارتسامات وردود فعل ...وكيف لا ونحن تربينا كمغاربة على حب القدس أولى القبلتين و عشنا مع فلسطينيين في مدينتنا و حتى تتلمدنا على ايديهم...درسونا في مدارسنا...اللغة العربية ....اعدتني بداكرتي إلى مرحلة علمتني الكتابة و التعبير بكل عفوية و بساطة ....
    دوما سردك استادي يعبر بي القارات كما يعبر بي الزمن ..ودوما اجدني أمام مشهد حي بكل الاحساس بكل الحركات...تخرج شخصياتك من الكلمات بروحها و انطباعاتها...
    بالنسبة لي حين اقرأ لك ..لا حاجة لي بشاشة او سينما ...اسلوبك يكفيني لاعيش و سط القصة ..اسلوبك ثلاثي الأبعاد بامتياز.

    عزيزتي القارئة الحائرة ( لا تبدين لي حائرة، بل واثقة مما تكتبين وتعرفين)،
    أشكرك على تعليقك الكريم.
    أود أن أؤكد لك أن العلاقات بين القدس والمغاربة قديمة قدم الإسلام في المغرب العزيز.

    فقد كان الحجاج المغاربة يعدّون زيارة المسجد الأقصى جزء من طقوس الحج. وكان المغاربة يحملون معهم الحبوب والزيوت هدّية لفقراء المسلمين في الحجاز وفلسطين.

    وعندما حرر المسلمون بقيا دة صلاح الدين الأيوبي، القدسَ الشريف من احتلال الصليبيين، توجّهوا إلى عكا لتحريرها، فتهاطلت أساطيل الدول الأوربية لمساعدة الصليبيين في عكا، وحاصروها بحراً، فاستنجد صلاح الدين الأيوبي بالخليفة الموحدي يعقوب المنصور (حكمَ بين 1184و1199م) وكانت بينهما مراسلات وسفارات وتبادل الهدايا من الأسلحة التي تنقص كل واحد منهما، وفي سنة 585 هـ/1189م، كانت سفارة صلاح الدين الأيوبي إلى يعقوب المنصور برئاسة الأمير الأديب ابن منقذ الذي استرجى المنصور أن يساعد الأيوبي بالأسطول المغربي الكبير. وإذا لم يستجب المنصور للطلب مباشرة، فإنه قام بمهاجمة صقلية وإشغال الأساطيل الأوربية بذلك.

    ولكثرة زيارات المغاربة للقدس، كانت لهم حارة استقر فيها كثير من المغاربة تسمى " حارة المغاربة" بالقرب من باب المسجد الأقصى المسمى بباب المغاربة. وبعد احتلال إسرائيل للقدس الشرقية سنة 1967م قامت بهدم تلك الحارة.

    وهكذا ترين أن صلات الرحم والقربي بين المغاربة والمشارقة قديمة ومتأصلة في التاريخ الإسلامي.
    تمنياتي لك بالصحة والهناء والخير.
    علي القاسمي

    انتقاء موفق جدا للأستاذ القاص الكبير الدكتور علي القاسمي في ظل الظروف الحالية التي تمر بها القضية الفلسطينية والمواجهات المحتدمة بين أهلنا العزل في فلسطين المحتلة والاحتلال الغاصب، فما كل هذا سوى امتداد لتلك المحطات المأساوية الدموية التي تمثل مجزرة دير ياسين إحداها. فمرحى للقاص الكبير ولإحساسه بهموم أمته ورصده في فنه وإبداعه مظاهر التصدي والإباء، مثبتا بذلك أن الأدب الحق لا يمكن أن ينكفئ على نفسه ويبقى في عزلة عما يجري من حوله، وأن مقولة (الأدب للأدب فحسب) لا تصلح لمن شعر بشعور أهله وحمل همهم وعاش قضيتهم.

    1.  

    كنت واتقة من مداخلتكم جراء ما يحدث في فلسطين ،
    ولكن لم أكن أنتظر أن أرى هذا النوع من السرد الأدبي الذي ينم عن إبداع الكاتب الملم بكل الشوائب المحيطة بالقضية العربية الفلسطينية .
    فعلا أنتم مفخرة لنا وللعالم الإسلامي .بوركتم دائمًا.
    من ناحية أخرى أنا جد واثقة من رجوع الأمور إلى نصابها
    الصحيح ، هو فقط الزمن الذي يعيد نفسه.فلننتظر .

    أخي العزيز المفكّر المترجم الأديب الدكتور كيان أحمد حازم حفظه الله ورعاه.
    تغمرني دائما بلطف أخلاقك وبلاغة كلماتك وجواهر افكارك.
    وأتفق معك على أن المثقف العربي اليوم ينبغي أن يكون متفاعلاً مع قضايا مجتمعه، ومدافعاً صلباً عن حقوق الإنسان فيه. وهذا ما يطلق عليه الفيلسوف السيميائي اللتواني الفرنسي، الخيرداس جولياس غريماس، اسم " المثقف العضوي" أي الذي يكون عضوا فاعلاً في مجتمعه.
    ومع ذلك فأنا أعد نفسي بعيداً عن التشرف بمثل هذا اللقب.
    تمنياتي الحارة لك ـ أخي الكريم ـ بالصحة والسعادة ودوام الإبداع والتألق.
    محبكم: علي القاسمي

    عزيزتي المثقفة الأستاذة سميرة رضائي حفظها الله ورعاها.
    شكراً جزيلاً على لطفك وتشجيعك، فقد أسعدتني حقاً، لان تعليقك الكريم ذكّرني بالراحلة والدتك العزيزة الشاعرة والمبدعة الكبيرة زهرة الزيراوي.

    كما قد تعلمين، أنني أفضل القراءة على الكتابة. ومع ذلك فخلال الأحد عشريوماً التي انتفض فيها أهلنا في فلسطين، نشرتُ نصَّين: النص الحالي، ونص "رسالة إلى راشيل كوري" التي يمكن أن تطلعي عليها في الرابط:
    https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=955455:%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B3%D9%85%D9%8A-%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%B1%D8%A7%D8%B4%D9%8A%D9%84-%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%8A&catid=325&Itemid=1236

    تمنياتي لك بالصحة والخير والهناء.
    علي القاسمي

    الاديب العلامة
    عزيزي الرائع سألت الاصدقاء عن المقصود بالاغنية ( اللي ما يزور السلمان , عمره خساره ) فكلامك صحيح . فقد أشاروا ان المقصود بالاغنية هو ضريح الصحابي سلمان الفارسي ( سلمان باك ) او طاق سلمان باك . ولكن السياسيين استغلوا الاغنية لصالحهم بسجن نقرة السلمان . وانتظر جواب الصديق العزيز الاديب الاستاذ زيد الشهيد , سبق واصدر كتاب تاريخي عن تاريخ مدينة السماوة , وهو من اصل مدينة السماوة .
    تحياتي الاخوية

    اخي الحبيب المفكر الأديب الأستاذ جمعة الماجد، حفظه الله ورعاه،
    أشكرك على تأكيد أنطباعي، وأزيدك معلومة هي أن مؤسس بلدة السلمان في محافظة المثنى هو محمد السلمان شيخ قبيلة الضفير/ الظفير التي تنتسب إليها عشيرة القواسم، وأنا منهم، علما بأنني معارض للروح القبلية التي يشجعها كثيرمن حكام العراق لتجهيل الناس لكي تسهل سرقتهم.
    مع خالص مودتي واحترامي,
    أخوك: علي القاسمي

    الاستاذ السارد والروائي والمترجم الدكتور علي القاسمي... احلى تحية واطيب سلام... وامنيات بالعافية... انها مهمة صعبة جدا ... تلك هي المحافظة على شفافية وتلقائية وبراءة السرد مع عدم إغفال الرمزية وانتقاء الصور والمفردات ...فاستخدام اكثر الاساليب جدية واحترافاً واعتصار الخبرة والذاكرة اعتصاراً لولادة نصّ كهذا يفوح بساطة وتلقائية وسهل ممتنع فذاك لعمري هو التحدي الذي يفوز دائماً بقلب المتلقي قبل عينيه واول مايصطبغ به من صفات هو الصدق. السيناريو والاخراج السينمائي للّقطة وانتقاء الصورة والوصف والمفردة كل ذلك هو علامة مسجلة لاسلوب الدكتور علي القاسمي الذي يُخَيّل لك انك تسمع صوته وهو يسرد لك مايصل ذهنك وذائقتك بكل التفاصيل.

    الشاعر المتميز الأديب المتألق الدكتور أحمد فاضل الفرهود حفظه الله ورعاه،
    تحياتي الحارة وتمنياتي الطيبة لك
    في تعليقك الكريم المدوّن بلغة شعرية أدبية راقية ، وضعتَ أصبعكَ على أهم مشكلة تواجه الروائي عندما يريد سرد حدث تاريخي دون أن يضحي بسلاسة السرد وسمو التخييل ولا بصدق الخبر ونقله بدقة، لأن الرواية قوامها الخيال، ونجاح التاريخ يتوقف على الالتصاق بالواقع والالتزام بالحقيقة.
    وكما ذكرتُ في شكري لأحد الإخوة الذين تكرّموا بالتعليق، أنني استعنتُ بسلسلة الكتب التي تشرفتُ بإصدارها عندما كنتُ مديراً للثقافة والاتصال في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيكو) بعنوان " القرى الفلسطينية المدمرة" والتي أعدّها أساتذة باحثون في قسم التاريخ بجامعة النجاح في نابلس، واستعانوا ببعض سكان تلك القرى ممن كُتِب لهم النجاة، وبالسجلات الإدارية، وبالتقارير الصحفية. فقد توخيتُ الصدق في وصف مجزرة دير ياسين، كما التمستُ الدقة في نقل ما ورد في الإصحاح، وفي وصية الخليفة أبو بكر الصديق، كما نقلتها كتب التاريخ الإسلامي.
    شكراً لتعليقك الكريم الذي أسعدني، وتمنياتي لك بالصحة والهناء والإبداع المتواصل.
    محبكم: علي القاسمي

    مقالات ذات صلة