أصدقاء الدكتور علي القاسمي

ذة. ابن الطاهر آمال، إشكالية الدلالة في المعاجم العربية التراثية انطلاقا من مؤلف " المعجمية العربية بين النظرية والتطبيق"

شاهد المقال

جامعة القاضي عياض، مراكش. الترجمة وتعليم اللغات الأجنبية والتعدد اللغوي / أعمال مهذاة للعلامة الدكتور علي القاسمي ( عمّان. دار خليج، 2023).

شاهد المقال

مصطفى شقيب، الترجمة الادبية ورهان الابداع..

شاهد المقال


الترجمة الادبية ورهان الابداع..

نقلا عن صحيفة المثقف

رواية مرافئ الحب السبعة نموذجا

هل لم تعد الحاجة تدعو الى مترجمين ادبيين؟

في زمن الانتشار المكثف للمعالجة المعلوماتية وذيوع البرمجيات الآلية، وآخرها انجازات برمجية "بين قوسين" الذكاء الاصطناعي "تشات جي بي" وقدرته على محاكاة الانتاجات الآلية البشرية الى درجة أن وضع المترجمون ايديهم على قلوبهم خوفا من ضياع مناصب شغلهم.. لكن بإيجاز شديد، ما يسمى بالذكاء الاصطناعي ليس له من الذكاء الا الاسم، فما هو سوى نهب واستغلال للجهود البشرية ومحاولة انتاج مماثل بفعل سرعة المقارنات.. فالمنتوج آلي محاكي صرف، وسرعان ما يسقط هذا الروبوت في الاختبار إذا طلب منه صناعة نص مليء بالمشاعر والجماليات اللغوية والعناصر الثقافية.. فلا تنتج هذه الآلة غير كلمات جوفاء باردة، لا روح فيها ولا زخم، ولا نبض بشري صادق..

ولا عجب، فالمترجمون الادبيون بكل خلفياتهم العلمية والثقافية يعترفون بخيانتهم بدرجة ما لنص أدبي ما، فكيف بهذا الروبوت اللعين، الوليد غير الشرعي لحسابات وجشع الشركات الكبرى؟

إذن اين تتمثل صعوبات الترجمة الأدبية؟

يعترف الاختصاصيون اننا عندما نترجم نصا ادبيا فإننا نترجم كل مكونات هذا النص من محتوى وجمالية وايقاعات وايحاءات وتلميحات وخصوصيات ثقافية وما وراء الكلمات والاشياء الضمنية وما يريد المؤلف ايصاله الى قارئ اللغة الأصل.. لذلك يرى منظرو المجال انّ شروط الإبداع يجب ان يتضمن فضلا عن اجادة اللغتين، امتلاك ذائقة فنية وثقافة عميقة في كلي اللغتين.، ويتعين على المترجم ان يبدع عملا يضاهي او يقترب من العمل الاصلي، والامثل ان يبدو كانه مكتوب باللغة الهدف.

اعتبارا ان لا تكافؤ بين اللغتين في البنية والتراكيب والاستعارات وغيرها، كما ان القارئ الجديد قد يجهل كل شيء عن الثقافة المترجمة.

وفي مثالنا هذا الترجمة الفرنسية لرواية العلامة الدكتور علي القاسمي "مرافئ الحب السبعة" الصادرة في عدة طبعات منذ العام 2012 والتي حظيت باهتمام النقاد وكتب عنها عشرات الرسائل الجامعية..

في هذا العمل، كل عناصر الصعوبات والتحديات موجودة في هذا المؤلف الرائع،

ولنبدأ من البداية:

بعد مغادرة قسرية للوطن، واسفار وتنقلات عديدة، وشعور بثقل نفسي هائل، يستعد الكاتب لمعالجة تغريبته عبر الكتابة. فيستمر في مكتبه طوال اليوم والليل، يشرع في خط رواية متفجرة ذات ايقاع شعري خالص؛ لكنه كان يتوقف في كل مرة، يبلل الأوراق بالدموع ويقطّع ما كتب. ثم يعاود الكرّة من جديد.. ولو أنّ أصدقائه نصحوه بالتوقف قائلين له تصريحا أنه لن يستطيع الكتابة في هذه الظروف عن الوطن السليب والحرية المكبوتة والحب الخائب وذكريات الطفولة والأم والنخلة والقرية وحيواناته الأليفة ..

الا انه نجح في النهاية بعد مدة طويلة جدا-عشر سنوات-العقد الاول من القرن الواحد والعشرين..

إذن نحن امام ابداع ادبي عميق جياش، يفيض الما وشوقا وحنينا.. بوح انساني سام.. الرواية سيرة ذاتية شعرية درامية ملحمية معرفية، نبضت بمكنونات العراقي المهجّر ونثرت على الأوراق آمال الاحلام الكامنة في اللاوعي العربي.. فنجد التاريخ العربي والتغريبة الفلسطينية والاندلسية ومآسي الشعوب العربية وخصوصيات ثقافية فنية (من موشحات وتهاليل واشعار صوفية) وبطولات شعبية واعتزاز بالحضارة العربية وقصص حب عذري حزينة سعيدة..

كل هذا، الظروف التي كتبت فيها الرواية وروحها الفياضة،

علينا ابداعه بصدق واصالة؛

ويا لها من مهمة !

ولا بأس أن أحكي عن تجربة من سبقني في إعادة كتابة هذه الوراية، وهي محاولة فريدة قبلي انا من طرف المستشرق الروماني نيقولا دوبريشان، مترجم معاني القرآن الكريم وادباء عرب الى لغته.. هذا الرجل، أمام رواية مليئة بالإشارات الثقافية المحلية، اختار اسلوب الشرح والهوامش من اجل وضع القارئ في عالم القصة، وهكذا حفلت الرواية بهوامش كثيرة يحال المتلقي الروماني اليها.

اما من جهتي، فقد اردت انتاج رواية من دون مقدمات او هوامش، اردت ان يندمج القراء في عمل فني رائع دون توقف او شروحات..

لا ادري ان كنت مصيبا او مخطئا؟

للحقيقة، الرواية فضلا عن الزخم العاطفي والايقاع الشعري، عامرة بالنبرات الثقافية في كل ما كتب. فالقارئ الاجنبي اكيد انه لن يتلقى كما يتلقى القارئ العربي وقع كلمات بغداد، المستنصرية، ابو نواس، الحلاج، فاس، القرويين، محمد الصغير وخطاب امه اليه "نعم، ابكِ كالنساءِ ملكاً لم تدافع عنه كالرجال"، بل حتى اسماء شخصيات الابطال ووقعها، "أثيرة" المفضلة"، سليم (المفروض انه معافى لكنه دائما عليل بعشق الوطن والمراة.. )، اسم البطة "وفاء" رمز الاخلاص..

ولكي نرى بعضا من ذلك، لنقرا فقرات مختارة ومقابلها بالفرنسية:

عندما أوت حميدة إلى سريرها تلك الليلة، كانت تشعر بانقباضٍ لا تعرف له سبباً. لم تتمكَّن من النوم. تناولتْ كتاباً وراحت تقرأ في الفراش فلم تستطِع أن تفهم شيئاً مما قرأتْ. ألقتْ بالكتاب جانباً، وغطَّت رأسها في دعوةٍ منهكة للنوم. في منامها المنغَّص، رأت بغداد تحترق في الليل. كانت ألسنةُ اللهب تتصاعد إلى عنان السماء، وتغطّي المدينة الغافية على ضفتَي دجلة، بدثارٍ من دخان. في كابوسها المُريع، أطلّتْ من شرفة شقّتها على شارع أبي نواس، فتراءت لها كراسي المقاهي الممتدَّة على النهر تلتهمها النيران، وهي تلقي بنفسها في ماء النهر، للنجاة من ألسنة اللهب. وراح تمثال الشاعر أبي نواس يتلوّى وسط النيران وكأنَّ يوم القيامة قد حلَّ، وأُلقي بالشاعر السكّير في جهنم، دون أن تشفع له زُهديّاته وابتهالاته الشعريّة التي نظمها في أواخر حياته.

ومن بعيد، تراءت لها السواري الرخاميَّة لجامعة المُستنصِريَّة تتهاوى الواحدة تلو الأخرى تحت النيران، وتتداعى جدرانها المزخرفة، وتذوب ألواح شبابيكها الزجاجيَّة الملوَّنة، فتجري ذائبةً في سواقٍ من لهبٍ، تجتاح الأزقَّة القريبة المؤدِّية إلى شارع المتنبي، فتحرق في طريقها الكُتُب والمخطوطات المكدَّسة في دكاكين الورّاقين، وفي المعاهد العلميَّة، وفي المكتبات، وفي بيوت الخواصّ، وفي صدور الرجال. تحترق أوراق الكتب ولا يتناثر منها في الفضاء إلا التكبيرات: " الله أكبر"، " الله أكبر"، " الله أكبر"، لتملأ الجوَّ مثل طائراتٍ ورقيَّةٍ لا تشدّها خيوط ولا يسوسها أطفال. وأمام أنقاض جامعة المستنصريَّة، وقف شبحُ الخليفة المستنصر بالله، حاسر الرأس، مُعفَّر الجبين، حافي القدمَين، وقد أذهلته الكارثة التي حلَّت بالجامعة التي شيَّدها.

كانت النيران تسري في كلِّ دربٍ من دروب المدينة العريقة، وتجتاح كلَّ مَعلمة من معالمها: المكتبات، المدارس، المصانع، المنازل، المعاهد، وأطلال الأَحبَّة. حتّى الحدائق العامَّة لم تسلم منها، فقد كانت النار تلفُّ جذوع الأشجار وتمحق أغصانها، فتتكسَّر باعثةً أزيزاً وأنيناً وأصواتٍ متنافرةً تختلط في ضجّةٍ رهيبة. وكانت ألسنة اللهب تلاحق الفراشات المتطايرة فراشةً فراشةً، فتحيلها إلى رماد؛ وتمتدّ إلى الزهور المتمايلة زهرةً زهرةً فتذرو وريقاتها هباءً.

أفاقت حميدة مذعورة وهي تتساءل: أين أنتَ يا زكي الآن؟

ص4

Cette nuit-là, dans son lit, Hamida se sentit déprimée sans savoir pourquoi. Elle ne parvint pas à s´endormir. Elle prit un livre et commença à lire sans rien comprendre. Elle jeta alors le livre et, épuisée, couvrit sa tête dans une invitation au sommeil. Dans son sommeil troublé, elle vit Bagdad s’incendier. Les flammes s´élevèrent dans le ciel, et la fumée enveloppa la ville qui était plongée dans le sommeil, sur les bords du Tigre. Un affreux cauchemar ! Depuis le balcon de son appartement, qui donnait sur la rue d’Abu Nuwas, elle vit alors les chaises des cafés dévorées par les flammes, et des individus qui se jetaient désespérément dans l’eau du fleuve. La statue du poète Abu Nuwas se tordait au milieu des flammes comme si le jour du jugement était arrivé. Le poète ivre était jeté en enfer, sans que les poèmes ascétiques qu´il avait composés à la fin de sa vie puissent intercéder.

Hamida aperçut au loin les pylônes marbrés de l’Université Al-Mustansiriya qui s’effondraient les uns après les autres sous les flammes, et les murs peints qui s’écroulaient. Les baies vitrées colorées se fondaient dans un ruisseau de flammes, qui envahissaient les ruelles voisines menant à la rue Al-Mutanabi, et brûlaient sur leur passage les manuscrits, qui étaient amassés dans les papeteries, les institutions scientifiques, les bibliothèques, les maisons et le cœur de l´humanité. Les feuilles des livres se consumaient, et seules les louanges qui évoquaient la grandeur de Dieu s´envolaient dans l´espace : « Allah est grand, Allah est grand, Allah est grand », remplissant l’atmosphère, tels des cerfs-volants sans fils, ni guide. Devant les ruines de l’Université Al-Mustansiriyya surgit le fantôme du calife Al-Mustansir Billah. Immobile, la tête et les pieds nus, et le front couvert de poussière, il était abasourdi par le désastre que l´université qu’il avait bâtie subissait.

Les flammes se propageaient dans tous les recoins de la ville majestueuse, s´emparant des bibliothèques, des écoles, des usines, des institutions… et atteignaient des êtres chers. Même les parcs publics n’avaient pas été épargnés : le feu cernait les troncs des arbres et balayait leurs branches, qui se brisaient en émettant un grondement. Au même moment, dans un vacarme assourdissant, se mêlaient des sanglots et des bruits discordants. Les flammes poursuivaient les cerfs-volants, les réduisant en cendres, et attaquaient les fleurs vacillantes, les réduisant en poussière.

Hamida se réveilla terrifiée en se demandant où était Zaki.

P14

آه يا نخلةَ أُمّي. لقد طوّفتُ في مدن الأحزان، وتنقّلتُ بين البلدان، عبرت البحار والشُّطآن، فلم أرَ مثلك في شموخكِ، وتناسق شكلكِ، وروعة لونكِ، وطيب ثمركِ. كلُّ الأشجار قميئة القدر بعدَكِ. شاهدتُ أشجار الأَرز الضخمة في ذرى جبال لبنان، ورأيت شجرة الباوباب العملاقة في جزيرة مدغشقر، وفي جنوب أفريقيا شاهدت الأهالي يتجمّعون في الربيع حول شجرة الجَكَرَنْدَا الزاهية بأوراقها القرمزية وهم يتمتمون بأمانيهم كيما تُستجاب، وفي أقصى بلاد سوس تلمّستُ شجرة الأرگان الصلدة التي قاومت زلزال أغادير؛ ولكن لم تدخل قلبي شجرةٌ مثلكِ، يا نخلةَ أمي، ولم يلذّ لي ثمرٌ كما لذَّ لي رُطَبكِ عندما كنت أتناوله مع اللبن المخيض. كلُّ الثمار لا طعم لها في فمي بعد رُطَبك، يا نخلة أمي. وكلُّ الأشجار تتضاءل، تتقزم، تتلاشى، إذا ما قورِنت بقامتك الفارعة وأنت منتصبة بإباء في دارنا القديمة الفسيحة الأرجاء. كم تمنيتُ أن أكون طائراً يحلّق في الأعال، يخترق الحدود دون أن تلحظه العيون، لأحطَّ على سعفة من سعفاتك التي يهزّها النسيم، كما كانت أُمّي تهزّ مهدي تحت ظلالك، أو كما كنتُ وأخوتي نتأرجح في أرجوحة نربطها إلى جذعكِ وأحد شبابيك المنزل. آه، يا نخلةَ أُمّي، كم أتمنّى اليوم لو أنّني صنعتُ تمثالاً معبوداً من تمرك، على عادةِ بعض عرب الجاهلية الرُّحَّل، وحملته معي في حقيبتي كيما ألتهم شيئاً منه عندما يعضّني جوع الحنين إلى الوطن.

ص14

Oh ! Palmier de ma mère ! Je me suis promené dans les villes de la tristesse, j’ai voyagé de pays en pays, j’ai traversé les mers et les rivages, mais je n’ai jamais vu quelque chose de pareil. Je n´ai jamais rien vu de pareil que toi, de pareil que ta grandeur, que ta forme harmonieuse, que l´enchantement de ta couleur, et que tes délicieux fruits. Aucun arbre n´est égal à toi. J’ai vu les énormes cèdres qui parsèment les sommets du Mont Liban ; l´arbre géant de l’île de Madagascar ; les familles en Afrique du Sud qui se regroupent autour du Jacaranda (arbre subtropical orné de feuilles violettes) pour y murmurer leurs souhaits dans l’espoir qu’ils soient exaucés ; l´arganier (arbre coriace de la région du Souss au Maroc) qui a résisté au séisme d’Agadir… Cependant, aucun arbre n’a pu conquérir mon cœur comme tu l´as fait, palmier de ma mère, et aucun fruit n´a été aussi délicieux que les tiens… tes fruits que je mangeais avec du babeurre. Aucun fruit n´a le même goût que tes dattes dans ma bouche. Oh ! Palmier de ma mère. Tous les arbres s’affaiblissent, s´éteignent, s’effacent, en comparaison avec ta grandeur, toi qui est érigé avec fierté dans notre ancienne maison spacieuse. J’ai tant souhaité être un oiseau planant dans les hauts cieux qui dépasse les frontières en passant inaperçu, afin de me poser sur une de tes palmes que la brise secoue. Ainsi le faisait ma mère lorsqu´elle me berçait sous ton ombre fraîche, ou comme nous le faisions mes sœurs et moi-même lorsque nous nous balancions sur la balançoire que nous attachions à ton tronc et à l´une des fenêtres de la maison. Oh ! Palmier de ma mère. J´aimerais tant dresser une statue à ta mémoire, à la mémoire de tes dattes, qu´elles soient vénérées, comme avaient l´habitude de le faire certains nomades de l´Arabie préislamique… les emporter avec moi, dans mon sac, afin d’en manger un peu lorsque la nostalgie pour la patrie me dévorerait.

P23

إنَّك لا تدري، يا أبي، أنَّني منذ ذلك الفجر الذي احترفتُ فيه الرحيل، والشمس تشرق كلَّ صباح في عيني من العراق، وتغيب كلَّ أصيل في العراق، وأنَّ ساعتي أدمنت توقيت بغداد، أينما ذهبتُ، لأنَّ هذه الساعة التي أهديتَها إليّ ذات يوم، تعمل بالنبض، نبض قلبي الذي تجسّه في معصمي. وقلبي ينبض بحبِّ العراق.

تقول، يا أبي، إنَّني قد أنسى وطني حينما أعبر إلى الضفة الأُخرى، وأنتَ على يقينٍ، يا أبي، أنَّني في أيِّ المحيطات أبحرتُ، وفي أيِّ البحار نشرتُ أشرعتي، فإنَّ بوصلة القلب ستبقى متجهةً دائماً نحو منائر وطني، وأنَّ ساريتي ستظلُّ أبداً ملفّعة بشال أُمّي وضفائر أُختي. وسأستنشق عبير بستاننا في نسيم البحر. وسيغتسل طيف بلادي في مجرى مركبي، وأرى خيال أعناق نخلاتنا في الغمائم فوق السفن، وسيجري ماء الفرات على الدوام في عروقي وأوردتي وشراييني ودمعي. وسأظلّ صادياً ظمآنَ لن أرتوي إلا ببضع قطرات من ماء الفرات الفرات.

وطني هو ذلك النهر المنساب برقّة في أحضان قريتنا الوديعة. وطني هو النخلات التي تحنو على النهر ويتدلّى سعفها الطويل في مجراه، فتمتزج خضرتها بزرقة السماء على صفحة مائه. وطني هو البجع البري الذي كان يسبح مع مجرى التيار قادماً من أعالي النهر، فكنتُ أسبح نحوه جذلاً، أطلق صرخات الفرح، أطارده بمرح، ترفرف أجنحته، يرتفع طائراً على سطح الماء، فانبهر به.

وطني هو قبلة أمّي على جبيني، وضمّة أمّي إلى صدرها، وحكايات أمّي والنعاس يداعب أجفاني في دفء فراشي، وخلطة الحليب والزبدة والعسل التي كنتَ تسقيني في فطور الصباح، وجدائل أُختي الكبرى وهي تقودني إلى المدرسة.

وطني هو الراعية الصبيَّة، عيدة، ذات الوجه الأسمر المليح المتناسق التقاطيع، والجسم الناحل الصغير، والذؤابتين المنفلتتَين من عصابة رأسها السوداء. عيدة التي كنتُ أجري خلفها وهي مسرعة إلى عملها في المروج، وأنا أنادي: " عيدة، عيدة" فتلتفت نحوي ملوِّحةً بعصاها مهدّدة وهي تقول: " وجعة شديدة، وأيش تريد من عيدة؟" فكنتُ أضحك للهجتها البدويّة، والحزم البادي على وجهها الأسمر الصغير.

هل كنتُ أعبث، يا عيدة، حين كنتِ تعملين بجدّ، فاستحققتُ لعنتكِ؟ إذن الآن وقد أدركتُ معنى العمل بعد هذا العمر، أعذركِ واطلب منك العفو. أتدرين، يا عيدة، أنَّ ذاكرتي ظلّت موشومةً بملامحكِ التي لوَّحتها شمس بابل بسحرها، موشومةً بعينيكِ اللامعتَين، بشفتيكِ المكتنزتَين. ما تذكَّرتُ طفولتي، يا عيدة، إلا وكنتِ أنتِ تركضين في مروجها الخضراء بهمَّةِ وحزم، تردّين نعجةَ شاردةً إلى القطيع، أو تنحنين لتحتضني حَملاً لم يستطع مجاراة القطيع، أو تعدّين غنمك بالعصا قبل العودة إلى المراح، وتركضين وتركضين وكلبك يجري خلفكِ دوماً، كما لو كان مشدوداً بخيطٍ إلى أذيال ردائكِ ذي القبّ والسلهام الطويل.

ولكنْ، قولي لي، يا عيدة، أين أمسيتِ اليوم؟ هل عدا عليك الزمن الذي لا يرحم كما عدا عليّ؟ هل غزا الشيب مَفْرِقكِ؟ هل أقعدتك الشيخوخة فلا تستطيعين المشي، بله الركض؟ أم أنَّ يد الموت قطفتكِ قبل الأوان كما كنا نقطف التفاح في بستاننا؟ وكيف مرّت حياتكِ؟ هل كنتِ سعيدة؟ أم أنَّ الناس في الأرياف لا يعرفون معنى السعادة؟ حسناً، هل تزوجتِ؟ وهل كان زوجكِ رجلاً طيّباً؟ هل عاملكِ برفق؟ هل أنجبتِ أطفالاً بمثل ملاحتكِ، وسمرتكِ، وحدَّة لسانكِ؟ وأين هم الآن؟ هل أُتيحت لهم فرصة التعلُّم في المدرسة؟ هل مارسوا أعمالاً أقلَّ عنتاً من الفلاحة والرعي؟ أم التهمتهم نيران الحروب الهوجاء التي دمَّرت وطني؟

أتذكَّرك، يا عيدة، فأضحك من أعماقي. أنا الذي نسيت طعم الضحك في فمي منذ سنوات. أضحك من كلماتكِ التي كنت تنطقينها بنبرة حادّة: " وجعة شديدة، وأيش تريد من عيدة؟" هل كنتِ تعدّينني طفلاً شقياً يبتغي إضاعة وقتكِ فتردعيني بأقسى الكلام، وبتلويحٍ من عصاك الطويلة؟ ص80

Vous ne savez pas, père, que depuis cette aube où je suis parti, chaque matin le soleil se lève dans mes yeux en Irak et le crépuscule s´y couche aussi… ma montre est réglée sur l’heure de Bagdad, peu importe où je vais, parce que cette montre que vous m’avez offerte un jour, fonctionne par impulsion, l’impulsion du cœur palpable sur mon poignet. Or mon cœur bat pour l’amour de l’Irak. Vous dites, père, que je parviendrai à oublier ma patrie quand je passerai sur l’autre rive. Pourtant, vous savez bien que la boussole de mon cœur sera toujours orientée vers les phares de ma patrie, et que ma grande voile sera à tout jamais enveloppée du châle de ma mère et des tresses de ma sœur. Le parfum de notre verger, je l’inhalerai dans la brise de la mer. Le spectre de mon pays se lavera dans le courant de ma navigation, l’ombre de nos palmiers planera dans les nuages et dominera les bateaux, et l’eau de l’Euphrate coulera en permanence dans mes veines, mes artères, mes vaisseaux et mes larmes. Assoiffé, seule l´eau de l´Euphrate apaisera ma soif.

Car ma patrie, c’est cette rivière qui coule tendrement dans notre paisible village. Ma patrie, ce sont les palmiers qui se penchent sur la mer, les longues palmes tombantes, dont la couleur verte se mélange au bleu du ciel, irradiant ainsi la surface de l´eau. Ma patrie, c’est le cygne qui nage le long du cours d’eau en amont de la rivière, vers lequel je nage, exalté, lançant des cris de joie et le poursuivant pour m´amuser. À l´envol, il ne court pas à la surface de l´eau, mais décolle directement d´un seul élan, et cela m´impressionne !

Ma patrie, c’est ma mère qui baise mon front, me serre contre sa poitrine, me raconte des contes, tandis que bien au chaud dans mon lit, la somnolence caresse mes paupières. Ma patrie, c´est ma mère qui me sert au petit déjeuner ce délicieux mélange de lait, de beurre et de miel. Ma patrie, ce sont aussi les tresses de ma grande sœur qui me conduit à l’école. Ma patrie, c’est la petite bergère Aida au charmant visage brun et harmonieux, au petit corps maigrelet… Aida, derrière laquelle je courais alors qu’elle allait aux pâturages, tout en l’appelant « Aida, Aida ». Elle se tournait alors vers moi et brandissait son bâton menaçant en disant (d’un accent bédouin) :

– Qu’une douleur aiguë te touche, que veux-tu d’Aida ?

Je riais de son accent, et de la fermeté apparente sur son petit visage foncé. Oh ! Aida. Je ne faisais que rigoler tandis que tu allais à la besogne. Est-ce que je méritais une telle malédiction ? Avec l´âge, j´ai enfin compris ce qu´est le travail… je te comprends et te demande pardon. Tu sais, Aida, ma mémoire est restée tatouée par tes traits que le soleil de Babel avait dessinés avec sa magie, marquée à tout jamais par tes yeux brillants, par tes lèvres pulpeuses. Chaque fois que je me souviens de mon enfance, Aida, je te vois courir dans les pâturages verts avec détermination et fermeté, ramenant une brebis errante au troupeau, te penchant sur un agneau n´ayant pu suivre le rythme du troupeau, ou encore comptant tes moutons avec le bâton. La joie de vivre ! Tu courais sans cesse, ton chien toujours derrière toi comme s´il était pendu à ta robe longue à capuche.

Mais, dis-moi, Aida, où étais-tu ce soir-là ? Le temps, impitoyable, t’a-t-il transgressée comme il m’a transgressé ? Le grisonnement a-t-il envahi tes cheveux ? La vieillesse t’a-t-elle estropiée ? Peux-tu encore marcher, sans parler de courir ? La main de la mort t’a-t-elle prématurément cueillie comme on cueillait les pommes dans notre verger ? Et comment as-tu vécu ? As-tu été heureuse ? (si les gens de la campagne ont le sens du bonheur). T´es-tu mariée ? Ton mari a-t-il été un homme bienveillant ? T’a-t-il traitée tendrement ? As-tu eu des enfants ayant ton charme, ton teint hâlé, et ton insolence ? Où sont-ils maintenant ? Ont-ils été à l´école ? Ont-ils exercé des professions moins pénibles que la besogne agricole, l’agriculture et le pâturage ? Les feux des guerres dévastatrices ont-ils ravagé ma patrie ?

Je me souviens de toi, Aida, et je ris au fond de moi. Moi, qui depuis des années a oublié le goût du rire dans ma bouche. Je ris des mots que tu prononçais sur un ton aigu « Qu’une douleur aiguë te touche, que veux-tu d’Aida ? ». Est-ce que tu me considérais comme un vilain garçon qui désirait abuser de ton temps ? Tu me dissuadais alors avec des mots durs en brandissant ton long bâton.

p.88

***

مصطفى شقيب - مترجم أدبي

يونيو 2023

تعليقات (1)
تحية حارة للمترجم الأديب الأخ الكريم الأستاذ مصطفى شقيب حفظه الله ورعاه، بمناسبة هذه الدراسة القيمة عن طبيعة الترجمة الأدبية واستراتيجياتها المختلفة وتقنياتها الدقيقة.
إنها بجق دراسة أكاديمية لا يستطيع الأستاذ الجامعي إعدادها ما لم يكن قد مر بتجربة الترجمة الفعلية، التي تعني حرفياً إبداع العمل الأدبي في اللغة الهدف.

العجيب في إمكانات صديقي المترجم الفذ الأستاذ ممصطفى شقيب إنه أستطاع أن يترجم في عام واحد جميع سردياتي التي أخذت مني ما يقرب من ثلاثين عاماً. إنه إنجاز رائع أشادت به المراجعة الأستاذة الدكتورة ماري إيفيلين لوبودير، كما أبدت إلإعجاب به لجنة القراءة في دار نشر لارمتان في باريس، بحيث قررت نشر جميع ما ترجمه الإستاذ مصطفى من أعمالي إلى اللغة الفرنسية. ولا يتأتى ذلك لأي فرد ما لم تكن قد تجمّعت له القدرة اللغوية باللغتين، والموهبة الأدبية، إضافة إلى محبة الترجمة من الأعماق.

شكراً جزيلاً أخي العزيز المترجم المتميز الأستاذ مصطفى شقيب. حفظك الله ورعاك.
أخوك: علي القاسمي

عرار، الدكتور علي القاسمي سيرة ومسيرة

شاهد المقال

 

الدكتور علي القاسمي سيرة ومسيرة

عرار:

عن دار الوفاء في الاسكندرية بمناسبة العيد الخامس والسّبعين للعلامة أ.د علي القاسمي أشهر أ.د منتصر أمين عبد الرّحيم كتابه المعنون بعنوان:

"الدّكتور علي القاسميّ سيرة ومسيرة" مجموعة بحوث ودراسات مهداة إليه بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسّبعين.وهو كتاب قرّر مؤلفه أن يجعل منه سفراً لجمع بعض ما كتب حول مشروع القاسمي ومسيرته وعطائه بقلم طائفة عملاقة من الأكاديميين والمتخصصين والمبدعين والإعلاميين حيث يقول في هذا الصّدد:" نقدّم هذا الكتاب اعترافًا وتكريمًا لعالم جليل هو الأستاذ الدّكتور علي القاسمي الّذي جمع – منشأ وإقامة وحِلًا وترحالًا- بين المشرق والمغرب العربيّ من ناحية وبين الشرق والغرب من ناحية أخرى؛ فتوافرت له بذلك أسباب كثيرة لسمت إبداعيّ فريد وسم جميع أعماله العلميّة والأدبيّة والثّقافيّة، فالقاسمي عالمًا وأديبًا وإنسانًا بصم الثّقافة العربيّة ببصمته الخاصة الّتي ستظل مسطورة في سجل الخالدين، ولقد توسلنا في بلوغ تكريمه – ولسنا ببالغيه – وسيلتين؛ الأولى أنْ نضع بين يدي القارئ “سيرة” ذاتيّة علميّة وإداريّة حول كامل أعماله ومناصبه، والوسيلة الأخيرة أنْ نجعل مواد هذا الكتاب بمثابة قراءة علميّة وأدبيّة ونقديّة لكثير من مؤلفاته الّتي تمثل علامات على طريق “مسيرته” العلميّة والأدبيّة والثّقافيّة، وعليه جعلنا العنوان الفرعيّ للكتاب “سيرة ومسيرة” وقد تطلّب منا ذلك الاطلاع على كثير من الدراسات الّتي كتبت عن أعماله، وكثير من مراسلاته وملفاته الشخصية. وكنّا قد توصلنا بعديدٍ من المشاركات المقترحة الّتي تنتمي إلى حقول بحثيّة تتصل باهتمامات الدّكتور القاسمي العلميّة والأدبيّة لكنَّ أسبابًا كثيرة جعلتنا نقتصر على ما تجده – قارئنا الكريم – ضمن محتويات هذا الكتاب.

إنَّ الهدف من إعداد هذا الكتاب أنْ تكونَ جميع الدّراسات والبحوث والشّهادات الّتي يضمها بين دفتيه واقعة في إطار الاحتفاء والاعتراف بشخصية تركتْ بصمة واضحة وأثرًا طيبًا نافذًا في ثقافتنا بعامة، وهو اعتراف نابع من الوعي الموضوعيّ بمكانة هذه الشّخصية وقيمة أعمالها ومنزلتها من بالثّقافة العربيّة".

كما وجّه المؤلف في مطلع كتابه شكراً لكلّ الباحثين الذين شاركوا في هذا الكتاب إذ قال:" عندما فكّرتُ في إصدار كتاب تُخَصَّص بحوثه ودراساته لتكريم عالم جليل وأديب أصيل له حضوره ومكانته مثل الدّكتور القاسميّ، كان من الطبيعي أن أفكر في حجم التّجاوب الكبير الّذي ستلقاه هذه الفكرة، لكني لم أكن أتصور حجم التّعاون النّبيل والكريم الّذي وجدته من علماء وأدباء ونقّاد ومفكرين في الوطن والمهجر على حد سواء؛ لذا لا يسعني إلا أن أتقدّم بجزيل الشّكر وعظيم الامتنان إلى جميع الأساتذة الكرام الذين شاركوا في هذا الكتاب، كما لا يفوتني أيضاً أن أتقدّم بالشّكر والتّقدير إلى كلّ أولئك الأساتذة الذين عبروا عن رغبة حقيقيّة في المشاركة، غير أنّ التزاماتهم وانشغالاتهم العلميّة، وكذلك المهلة الزّمنيّة المتاحة حالت دون ذلك".

وقد عبّر العلامة القاسمي عن فرحه الكبير بهذا المصنّف،إذ قال في هذا الشّأن:" يشرفني ويسعدني أن أتوجّه بالشكر والعرفان للعالم اللغوي المصري المعجمي المتألق الدكتور منتصر أمين عبد الرحيم على تكرمه بإعداد هذا الكتاب الذي استغرق سنتين من وقته الثمين حقاً، في زحمة بحوثه الجامعية، ومؤلفاته القيمة الأخرى. وهذا الكتاب دليل على المودة المتأصلة بين طلاب العلم من أبناء العروبة أينما كانوا".

ويتصدّر الكتاب مقدمة للكتاب،وسيرة وجيزة عن القاسمي وحياته ومنجزه الأكاديمي والإبداعيّ، ثم جرى تقسيم الكتاب بعد ذلك إلى أقسام مختلفة، إذ احتوى القسم الأوّل المعقود تحت عنوان "القاسمي معجميّاً" دراسات بقلم كلّ من:د.صالح جواد الطعمة،و د.أحمد شحلان،ود.عبد الغني أبو العزم،وعزّ الدين الوشيخي.

أمّا القسم الثاني في الكتاب فقد انعقد تحت عنوان " القاسمي مصطلحيّاً"، إذ شارك فيه كلّ من: د.محمد الدحماني، ود.عبد الرحمن بجيوي، ود.محمد العلوي. إلاّ أنّ القسم الثالث من الكتاب فقد انعقد تحت عنوان " القاسمي مترجماً"، وقد شارك فيه كلّ من: أ.محمد اليملاحي، وأ.عزيز العرباوي، وأ.عبد الرحيم العلام.

في حين أنّ القسم الرّابع من الكتاب المعقود تحت عنوان" القاسميّ ناقداً ومفكراً"،قد احتوى على دراسات بأقلام: الشاعر فاروق شوشة، وأ.البشير النطيفي، ود.محمد الشدادي. أمّا القسم الخامس " القاسميّ تربويّاً "فقد شارك فيه كلّ من:أ.إدريس الكريوي، أ. أبو إياد آل ياسر، د.هيثم الخوجة.

والقسم السّادس من الكتاب معقود تحت عنوان " القاسميّ قصّاصاً"، وقد شارك فيه كلّ من:

د.محمد صابر عبيد، د.عبد الملك أشهبون، د.حسين سرمك.إلى جانب مشاركة كلّ من د.عبد الرحيم وهابي، ود.فيصل غازي، ود.منتصر أمين، ود.سوسن البياتي في القسم السّابع من الكتاب المعقود تحت عنوان " القاسميّ روائيّاً"،إضافة إلى العنوان المعقود تحت 
رواية " مرافئ الحبّ السّبعة” ملهمة الشّعراء والرّسامين"، إذ شارك فيه كلّ من: د.عدنان عبد الكريم الظاهر، وأ. زهرة الزيراوي.

كما عقد المؤلف الفصل الثامن من كتابه تحت عنوان "شهادات الأصدقاء"، وشارك فيه كلّ من:د.جورج عبد المسيح، ود.صلاح فضل، ود.عبد السلام المساوي، ود.نور ثائر حسن، ود.نجاة المريني، ود.مالكة العاصمي، ود.سعيد يقطين، ود.أحمد كروم، ود.عبد القادر الجموسي، ود.الحسن الغشتول، وأ.عبد الرحمن الربيعي، وأ. نجاة الزباير، ود.عبد الرحمن السليمان، والروائي محمد عز الدين التازي، وأ.عبد الكريم غلاب.

وقد أُختتم الكتاب بفصل تاسع يحمل عنوان "حوارات"،وقد شارك فيه كلّ من: أ.إبراهيم أوليحان، ود.سناء الشعلان، ود.عبد العزيز حميد. وصولاً إلى خاتمة نثرية بقلم أ. فيصل عبد الحسن، وخاتمة شعريّة لوليد الكيلاني، وبيلوغرافيا غير كاملة للدراسات النّقديّة لبعض أعمال القاسمي الأدبيّة.

 مصدر : ديوان العرب 

الترجمة وتعليم اللغات الأجنبية والتعدد اللغوي

شاهد المقال


الترجمة وتعليم اللغات الأجنبية والتعدد اللغوي

صدر عن دار الخليج للنشر والتوزيع مؤلف جديد تحت عنوان الترجمة وتعليم اللغات الأجنبية والتعدد اللغوي، وهو ثمرة تعاون بين مختبر الترجمة وحوار الثقافات وتكامل المعارف التابع لجامعة القاضي عياض، ومركز الكندي للترجمة والتدريب. والكتاب الذي يقع في حوالي 450 صفحة في حقيقته أبحاث قدمت ضمن الندوة الدولية التي عقدت برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية التابعة لجامعة القاضي عياض بمراكش يومي 24 و 25 نونبر 2021 تكريما للدكتور علي القاسمي، الغني عن التعريف، إذ هو أحد أعلام اللغة العربية ورائد من رواد الثقافة والترجمة والأدب المتميزين في العالم العربي، والعالم بأسره. أنه واحد ممن جمع بين المشرق والمغرب مقاما وأهلا، والشرق والغرب أدبا وعلما. وقد جمع المؤتمر باحثين وممارسين من جامعات مغربية ومن خارجها لمناقشة جميع الجوانب المتعلقة بدراسات الترجمة، والتواصل بين الثقافات، وتعليم اللغات الأجنبية، والتعدد اللغوي من أجل تعزيز تدريس الترجمة، وتبادل الخبرات في مجالات أبحاث الترجمة وتدريسها ضمن المناهج الأكاديمية، وتوعية الأكاديميين والمسؤولين بالدور المهم الذي تلعبه الترجمة في التواصل بين الثقافات ونشر المعرفة. وهكذا فقد عرف هذا المؤتمر مشاركات من بلجيكا، والمملكة العربية السعودية، وإسبانيا، والولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى مشاركين من جل المدن المغربية مثل مكناس، وأكادير، والجديدة، وبني ملال، والرباط، والدار البيضاء، وطنجة. وقد اتسم المؤتمر بتواجد جمهور عريض من الباحثين والمتتبعين. وأقيم معرض لمؤلفات الدكتور علي القاسمي موازاة مع المؤتمر.

وجدير بالذكر في هذا السياق أن هذه الندوة التكريمية التي عقدت بمراكش هي الخامسة من نوعها التي عقدت تكريما للدكتور علي القاسمي اعترافا بإسهاماته المتميزة في المحاور الثلاثة المذكورة سابقا كما في غيرها. وهذا ما تعبر عنه الصورة الجميلة التي زينت الغلاف الخارجي للكتاب، وهي الصورة المعبرة التي تجمع بين صورة فوتوغرافية للدكتور علي القاسمي، ونماذج من مؤلفاته في المجالات التي هي محور الكتاب في تصميم توحي أن هذه اللآلئ من وحي هذا المفكر. وجدير بالذكر كذلك أن الدكتور علي القاسمي قد تولى اختار المؤلفات التي زينت صفحاتها الأولى الغلاف الخارجي للكتاب إذ أن مؤلفات الدكتور علي القاسمي تفوق الخمسين بكثير مما يجعل مسألة تضمينها جميعا في صورة الغلاف أمرا مستحيلا أو شبه مستحيل.

وقد جمع الكتاب بين دفتيه 23 مقالا باللغات العربية والانجليزية والفرنسية والاسبانية. وتتمحور هذه المقالات حول المواضيع الثلاث التي تطرقت لها الندوة، أي الترجمة وتعليم اللغات الأجنبية والتعدد اللغوي، وهي مواضيع تتداخل فيما بينها تداخلا وثيقا، وتكتسي راهنية في الظروف الحالية على ضوء النقاشات المستمرة حول اللغة والهوية.

وغير خاف ما لهذه المواضيع من أهمية. فقد سال مداد كثير حول أهمية الترجمة ودورها في حياة الإنسان بشكل عام، وتطوير البحث العلمي، و التبادل الثقافي، و تقريب الثقافات، واللحاق بالتقدم العلمي، والنهوض بالفكر الإنساني بشكل خاص. وبتعبير آخر، تلعب الترجمة دورا بارزا في مدِّ جسور التواصل بين الذات والآخر على مستوى الأفراد والأمم. فللترجمة قصب السبق في نقل المعلومات والآداب بين الحضارات والتبادل العلمي والثقافي. ولقد ساهمت الترجمة على مر العصور في قيام النهضات الكبرى في العالم بأسره. ويمكن القول أن الأمم المتقدمة في العالم هي الأكثر نشاطا من حيث الترجمة. ويمكن قول نفس الشيء كذلك حول التعدد اللغوي، الذي لم يعد واقعا فقط، بل وأصبح مطلبا كذلك في كثير من الدول لتعزيز التنوع الثقافي، والانفتاح على الثقافات والمعارف الأجنبية. وهكذا يتضح أن الانفتاح على الآخر وثقافاته ومعارفه يتم عبر بوابتين مختلفتين: بوابة الترجمة وبوابة التعدد اللغوي، أي تعلم اللغات الأجنبية وتعليمها. فالترجمة في حقيقة الأمر لا تقصي التعدد اللغوي، إذ يعد الهدف واحدا وهو تحقيق هدف التنمية المستدامة. وطالما أن التعدد اللغوي قد أصبح حقيقة ومطلبا فإن تعليم اللغات الأجنبية يكتسي أهمية كبيرة كذلك. وهكذا فقد تناولت البحوث المنشورة بالكتاب تحليل الوضع الحالي لأبحاث الترجمة وطرق تدريسها في ما يتعلق بالقضايا ذات الصلة، ولاسيما تدريس اللغات الأجنبية والتعدد اللغوي.

ومن المقالات المتميزة التي جمعها الكتاب مقال للباحث الدكتور طلال الطاهر قطبي من جامعة الطائف بالمملكة العربية السعودية (الكلية الجامعية بتربة) حول معالم الترجمة واستراتيجياتها عند علي القاسمي تناول فيه الأنواع الأدبية المتعددة التي تناولها الدكتور علي القاسمي بالترجمة وكذلك عقبات الترجمة وتحدياتها كما ناقشها المترجم.

في حين ناقشت الأستاذة فتيحة غلام من جامعة الحسن الثاني (كلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق - الدار البيضاء) موضوع "الفعل الترجمي الإبداعي ورهانات المثاقفة التعليمية: ترجمة علي القاسمي روايةَ الشيخ والبحر نموذجا". أما حكيمة خمار من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس − الرباط فقد ناقشت مسألة الترجمة البيداغوجية، إذ "تعد الترجمة البيداغوجية والاستعمال السليم للتكنولوجيا، وكذا خلق أنشطة مختلفة تعلمية وتعليمية من بين الطرق العلمية التي تتيح للمدرس أن يدرس اللغة العربية لغير الناطقين بها بشكل فعال لتحقيق أهداف معرفية وتواصلية". وتناولت الأستاذتان فاطمة اخدجو و سلوى الدهبي من كلية اللغة العربية (من جامعة القاضي عياض) مسألة إكراهات تدريس الترجمة: الكفاءة اللسانية نموذجا إذ "إن اختيار الطريقة المناسبة في الترجمة لتدريس نصوص مختلفة صرفيا وتركيبيا ودلاليا وأسلوبيا والحفاظ على كل القيم التي تحتويها يطرح تحديات جمة أمام المترجم. كما أن الوظيفة المعقدة لعملية الترجمة والمشاكل التي تطرحها يجعل تدريسها أمرا صعبا، خصوصا أن هناك مجموعة من الإشكالات تعترض تدريس الترجمة سواء أكانت معجمية، أم دلالية، أم نحوية، أم خطابية، أم تداولية، أم ثقافية."

وبحث الأستاذ عز الدين غازي من جامعة القاضي عياض – مراكش في الترجمة الآلية باستعمال منصة NooJ انطلاقا من ترجمة البناء للمجهول من العربية إلى الإنجليزية قصد التغلب على بعض الصعوبات العملية في الترجمة الآلية، والتي عادة ما تنجم عن اختلاف البنيات التركيبة، ولاسيما عند ترجمة البنيات المجهولة من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية. أما الدكتور عبد الرحمن السليمان من جامعة لوفان الكاثوليكية ببلجيكا فقد تحدث عن تجربته في ترجمة المجموعة القصصية أوان الرحيل إلى اللغة الهولندية ولاسيما من خلال قصة القادم المجهول. وما يجعل هذه المجموعة القصصية جديرة بالترجمة هو أن الكاتب استطاع حسب تعبير صاحب المقال " أن يغوص إلى أعماق الإنسان ... في لغته وحبكته وخياله وقدرته النفسانية غير المحدودة على سبر أغوار النفس البشرية التي جُبِلَت على ما جُبِلَت عليها من أسرارٍ وعُقَدٍ لا يستطيع إلا مَن أوتي مثلما أُوتِي الدكتور علي القاسمي أن يَحُلَّها ولأن هذه المجموعة القصصية بالذات تجعلك ترى الكابوسَ تلو لآخر بعد قراءتها وكأنك على موعد معه". لذلك فهذه المجموعة القصصية "جديرة بالترجمة إلى لغات الأرض، ليس لتعريف العالم بمبدع كالدكتور علي القاسمي فحسب، بل لتعليم ساكنيه كيف يتأملوا في النهايات بلا فزع، وكيف يتهيّؤون للرحيل بلا هلع، ولكن في أجزلِ لفظ، وأرقِّ عبارة، وأدقِّ حَبكةٍ وفي أروع لوحةٍ فنيةٍ رسمتها يدُ الأديب الذي يعرف الإنسان وخوابئَ نَفسِه أكثر من أي طبيب نفساني ماهر".

وقد تناول الأستاذان محمد ناجي وأنس ملموس (من جامعة مولاي إسماعيل – مكناس) بالبحث دور الترجمة في تعليم اللغة العربية لغة أجنبية باعتبارها " وسيلة أو طريقة تعليمية ناجعة في عملية تعليم اللغات الأجنبية بشكل عام، وتعليم اللغة العربية باعتبارها لغة أجنبية بشكل خاص ومحدد، فضلا عن كونها تعمل على إبراز الأهمية التي تحظى بها الترجمة في المساعدة على تبليغ المضامين والمحتويات التعليمية وإيصالهما للمتعلمين للغة العربية غير الناطقين بها.".

أما الأستاذة فاطمة سحام من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاضي عياض – مراكش فقد طرحت الإشكالية التالية: هل الترجمة تواصل أم تثاقف ...؟ لتجيب عن الإشكالية من خلال دراسة مقارنة لمسرحية "فاوست" لكاتبها "غوته" بالترجمة العربية التي أنجزها أمين الريحاني تحت عنوان "رسالة الشيطان".

وقد تساءل الكاتب والمترجم مصطفى شقيب (المغرب): ماذا يريد أن يقول الدكتور علي القاسمي؟ ليتحدث عن رسالة هذا الأديب والناقد والمترجم.

ونجد من ضمن المقالات التي تضمنها الكتاب باللغات الأجنية مقالا للأستاذ حسن درير تناول فيه بالبحث مشكلات الترجمة واستراتيجياتها انطلاقا من المصطلحات المرتبطة بالثقافة في رواية الشيخ والبحر من خلال مفاهيم الغرابة (أو الإغراب) والاغتراس (أو الانغراس) الثقافي من جهة، أو التوطين والتغريب وغيرها من المفاهيم المستجدة في نظرية الترجمة من جهة أخرى. وعقد مقارنة بين 6 ترجمات عربية لهذه القصة. كما نجد مقالا للأستاذ نور الدين عزمي من المدرسة العليا للتجارة والتدبير التابعة لجامعة القاضي عياض بمراكش حول استعمال تمارين الترجمة في بيئة تعليمية لأهداف خاصة ومنفتحة على تكنولوجيا المعلومات على ضوء الأبحاث المستجدة والاهتمام المتجدد باستعمال تمارين الترجمة بصفتها وسيلة تعليمية في دروس تعليم اللغات الأجنبية. وتحدثت الأستاذة ماري إفلين لوبدر من جامعة غرناطة عن تجربتها في ترجمة رواية مرافئ الحب السبعة أو بالأحرى مراجعتها لها في علاقة مع مشكلات الترجمة الأدبية -ومن بينها مشكلة الإحالات الثقافية- إضافة إلى مقالات أخرى.

وقد توج هذا الكتاب بالكلمة الختامية التي ألقاها الدكتور علي القاسمي في الجلسة الختامية للمؤتمر. وتناول فيها بالبحث موضوع السعادة الذي يعد أهمُّ موضوع في الدراسات الإنسانية في الوقت الحاضر. وقد تطرق الدكتور المحتفى به في البداية لشروط السعادة. ومما ورد في كلمته بهذا الصدد أنه "في طليعة الصفات الواجب توافرها في الفرد لتحقيق السعادة عمليا التفكير الإيجابي الذي يتأتى....من محبة المكان الذي يقيم فيه الإنسان، ومحبة الناس الذين يعيش بينهم، ومحبة العمل الذي يزاوله. فبالحب ينفعل الوجود". وأضاف الدكتور علي القاسمي،" وهذا ما وفّره لي المغربُ العزيز بكل سخاء". ثم تطرق لتجربته في المغرب وعبر عن سعادته للتواجد في هذا البلد العزيز، وتقديره لكرم المغاربة. وله في ذلك طرائف ونوادر عجيبة يحسن العودة إليها في مضانها من الكتاب. ثم عرج الكاتب على شجاعة المغاربة، ولم ينس الإشادة بعلماء كبار من المغرب عاشرهم في مسيرته الطويلة.

وخلاصة القول أن الكتاب جدير بالمطالعة لأهمية المحاور التي يطرحها وراهنيتها وتنوعها. وعلاوة على ذلك فهو يشكل أول مرجع يجمع بين المحاور الثلاث، ويأتي بحق تكريما للدكتور علي القاسمي اعترافا بجهوده في المجالات المشار إليها.

***

تنسيق حسن درير وآخرين

تعليقات (4)
ندوة غنية وتقرير ثمين حول مداخلات المشاركين. لا ادري ما المقصود لدى البعض في التعدد اللغوي؟ كنت دوما اقول لطلابي أن دراسة أي لغة أجنبية أو تعلم أي لغة هو ليس عقوبة بل فرصة.ما لفت نظري هو الكلام عن تعليم اللغة العربية كلغة أجنبية. يخطىء من يعتقد أن تعليم العربية لغير الناطقين بها لا يختلف عن تعليم العربية لأبناء العرب. لا ابدا، هذا يحتاج إلى طريقة تدريس تختلف عن تلك. أمضيت تقريبا أكثر من ثلاثين عاما في تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها.هناك عدة مطبات واهمها القدرة على نطق الاصوات الغريبة على المستمع.اختلف مع الإخوة الذين يستعملون مصطلح (بيداغوجي) يا عرب لدينا كلمة عربية - تربوي ، من تربية.
شكرا جزيلا أستاذ إسماعيل مكارم على تشجيعكم وعلى ملاحظاتكم القيمة.
يطيب لي أن أزجي جزيل الشكر إلى الأخ الكريم الأستاذ الدكتور حسن درير، مدير مختبر الترجمة بكلية الآداب في جامعة القاضي عياض بمراكش، مرتين:
الأولى، لأنه تفضَّل بإهداء أعمال ندوة " الترجمة وتعليم اللغات والتعدد اللغوي " التي نظّمها مختبره وآخرون إلى شخصي المتواضع، من دون أن يكون بيننا أي تعارف شخصي من قبل. وهذا يدل على كرمه الأصيل ونفسه الزكية ومحبته للخير، وعلى اطلاعه العميق على أعمالي ذات الصلة بموضوع الندوة.
الثانية، اضطلاعه شخصيا بمتابعة طباعة الكتاب الذي يضم أعمال الندوة، وتصحيح تجاربه الطباعية، وتصميم غلافه الأصلي، وكتابة هذا التقديم القيم الذي نشرته صحيفة المثقف الغراء، مشكورةً.
والشكر موصول لجميع زملائه الأساتذة وأخص منهم بالذكر العالم الجليل الأستاذ الدكتور عبد الحميد زاهد. والشكر مستحق لجميع مساعدي الدكتور حسن درير وطلابه الذين تابعوا جلسات الندوة بشغف واهتمام، وجميع الباحثين الكرام وأخص منهم بالذكر أولئك الذين تناولت دراساتهم بعض أعمالي.
وأخيراً وليس آخرا، فإن الشكر موصول إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش عميداً وأساتذة وإداريين وطلبة.
علي القاسمي
شكرا جزيلا أستاذي الفاضل على كلماتك الرقيقة ولمتابعتك لكل صغيرة أو كبيرة. وقد كان لتواجدكم أثناء الندوة ومتابعتكم لإصدار الكتاب دور كبير في نجاحهما. ومزيد من التألق والعطاء دوما.