أصدقاء الدكتور علي القاسمي

حوار الدكتور علي القاسمي مع المجلة الثقافية الجزائرية

شاهد المقال

 

الناقد العراقي

د.علي قاسمي للمجلة الثقافية الجزائرية:

الذين يمارسون الكتابة الأدبية في العالم العربي، لم يتعلَّموا أصول الكتابة الأدبية

تمهيد:
الدكتور علي القاسمي أديبٌ مفكرٌ عراقي متعدِّدُ الاهتمامات، يقيم في المغرب منذ قرابة خمسين عاماً. درس في جامعة بغداد، والجامعة الأمريكية في بيروت، وكلية الحقوق في جامعة بيروت العربية، وجامعة أوسلو، والسوربون في فرنسا، وأكسفورد في بريطانيا، وحصل على الدكتوراه من جامعة تكساس في أوستن، في تخصص علم المصطلح وصناعة المعجم.

ألَّفَ القاسمي أكثرَ من خمسين كتاباً في اللسانيات، والنقد، والرواية، والقصة، والترجمة، والتعليم العالي، وحقوق الإنسان، والتنمية البشرية؛ نُشِر معظمها في عدّة طبعات. وصدرَ أكثر من خمسين كتاباً ورسالةً جامعية عن مؤلَّفاته (تُنظر سيرته العلمية المختصرة المرفقة في آخر هذا الحوار).

يُعدُّ كتابه ” علم المصطلح: أُسسه النظرية وتطبيقاته العملية” (بيروت، 2019) الذي تقع طبعته الثانية في قرابة 900 صفحة، رائداً في الموضوع ويُدرَّ س في أغلبية الجامعات العربية، كما اكتسبَ كتابه بالإنجليزية، “علم اللغة وصناعة المعجم الثنائي اللغة
“Linguistics and Bilingual Dictionaries الذي نشرته دار بريل في عدة طبعات، شهرة في مجاله بالجامعات العالمية.

يكتب القاسمي القصة والرواية بأسلوب حداثي، وقد نُشرت أعماله القصصية الكاملة في بيروت، وتُرجِمت روايته ” مرافئ الحب السبعة” إلى عددٍ من اللغات، وتقوم دارُ نشرٍ كبيرة في باريس حالياً بنشر ترجمتها إلى اللغة الفرنسية.

(يستطيع القارئ الكريم أن يطلع على كثير من أعمال القاسمي الأدبية في موقع “أصدقاء الدكتور علي القاسمي” في الشابكة). 

حاورته: باسمة حامد

لست مغترباً في المغرب

المجلة الثقافية الجزائرية: في رصيدك الإبداعي محطات أكاديمية وإبداعية مهمة: (التدريس، الرواية، القصة، الترجمة، الدراسات، الفكر الإنساني، النقد الأدبي) وأمام هذه التجربة الغنية، أتساءل كيف ينظر علي قاسمي إلى نفسه اليوم كإنسان ومثقف مغترب منذ خمسين عاماً؟
د. علي القاسمي: شكراً على تكرُّم “مجلة الثقافة الجزائرية” بإجراء هذا الحوار معي. ويسعدني أن تكوني أنتِ مَن توجِّه الأسئلة. وجواباً على سؤلكِ الأوَّل، أقول إنني كنتُ وما أزال أَعُدُّ نفسي طالبَ علمٍ؛ أجدُ لذةً فيما أحصل عليه من معرفة، كمن يتناول طعاماً شهياً جيداً لم يذُقْهُ من قبل. وكوني أُقيم في بلدٍ ذي ثقافة عربية إسلامية عريقة، وأعيش مع شعب كريم أصيل نبيل، لا أعتبر نفسي مغترباً.

لا نقد من دون إبداع


 

المجلة الثقافية الجزائرية: الإبداع والنقد قضية إشكالية.. لكن برأيك أيهما أفضل للمبدع ليضمن تأثيراً أفضل لأفكاره: الإبداع خارج إطار القوانين والنظريات أم يتوجب عليه الأخذ بالحسبان تلك النظريات بشكل مسبق؟
د. علي القاسمي: لا نقد من دون إبداع. الإبداع أولاً، وقد يحصل الإبداع الجيد دون أن يحظى بالنقد، مدةً تقصر أو تطول. فـ “ملحمة جلجامش” التي دُوِّنت باللغة السومرية في الألف الرابع قبل الميلاد ولم يُعرَف اسم مؤلِّفها لحد الآن، لم يلتفت إليها النقّاد إلا بعد آلاف السنين من تدوينها.فالنص السومري الأصلي مفقود، وعُثِر على الملحمة مترجمة إلى اللغة البابليةالتي لم تُفكّ رموزها إلا قبل أكثر من قرن بقليل. وكذلك الملحمتان الإغريقيتان “الإلياذة“و “الأوديسة” اللتان ترويان أحداث حرب طرواد، وتُنسَبان للشاعر الأعمى هوميروس الذي يُحتمَل أنه عاش في القرن التاسع قبل الميلاد ويُشكُّ في وجوده أصلاً، لم يتطرق إليهما النقّاد إلا بعد بضعة قرون. وأيضاً الشعر العربي الجاهلي، لم يخضّع للنقد المنهجي إلا بعد قرون عديدة من نظمه أو إلقائه.
لا نقد من دون إبداع، فالنقد يقوم أساساً على الإبداع، ويأتي لكي يضيء جماليات النصّ، ويوقد فهم القارئ، ويشعل إمتاعه وفائدته.مع العلم أن في وسع كبار النقاد الانطلاق من نصٍّ محدَّد، وتأسيسَ نصٍّ جديد مستقلٍّ، وهذا نادرٌ.
المبدع والناقد، كلاهما،مطالبان باكتساب ثقافة واسعة عميقة قبل أن يتصديا للكتابة، التي تُعدّ أداةً رئيسةً في تثقيفِ المجتمع القارئ. فهما صاحبا رسالةٍ ترمي إلى تحقيق التنمية البشرية في بلادهما.ولهذا قال المؤلِّفون العرب القدماء: إذا أردت أن تكون عالماً فعليك أن تُلِّم تمام الإلمام بعلم واحد، أما إذا أردت أن تكون أديباً، فعليك أن تأخذ من كلِّ علمٍ بطرف. وبناء عليه، فإن من الضروري أن يطَّلع المبدع والناقد على النظريات الفلسفية والنقدية. ففي ذلك تعميق وتوسيع لعملهما. بيدَ أن التزام الأديب أو الناقد بنظرية نقديّة معينة، يضع حدوداً على إنتاجه، ويحدَّ من حرّيته. والحرية قوام الإبداع، أدباً ونقداً. ( للتوسع في الموضوع، يُنظَر كتابي ” الثورة والشعر”).

جمالُ اللغةِ وأساليبِها، يتغيّرُ من عصر إلى آخر

المجلة الثقافية الجزائرية: نلاحظ أن الكثير من النقاد يعبرون عن آرائهم بلغة جافة وربما متعالية أحياناً.. لكن من يقرأ مؤلفات د. علي القاسمي سيبحر في لغة نقدية جميلة تحمل المتعة والمعرفة في آن معاً.. هل تجد أن اللغة الجميلة أكثر تأثيرا في المتلقي؟
د. علي القاسمي: ــــسؤال متشعِّبٌ وخطير. فالجمال قضية نسبية، تتغيَّر وتتطوَّر من مكان ٍإلى آخر، ومن زمن إلى آخر. وغالباً ما نقول إن الجمال ذاتيٌّ ينبع من نفس الفرد وذوقه وميوله واحتياجاته، فالجمال ليس موضوعياً؛ لأنه لا يخضع لمقاييسَ محدَّدةٍ، وموازينَ مقنَّنةٍ. ولهذا قال الشاعر المهجري إيليا أبو ماضي:
والذي نفسُهُ بغير ِجمالٍ … لا يرى في الوجودٍ شيئاً جميلا
واللغة ذاتها، تتغيَّر وتتطوَّر وتنمو كلَّ يوم، نتيجةً لازدياد المعرفة وتكاثر المفاهيم. ففي كلِّ يومٍ تولدُ كلماتٌ، وتسبِتُ كلماتٌ، وتموت كلماتٌ. وفي كلِّ يوم تكتسبُ كلماتٌ معانٍ جديدة، وتسبتُ معانٍ أخرى وتنقرض معانٍ غيرها.
وجمالُ اللغةِ وأساليبِها، يتغيّرُ من عصر إلى آخر. ففي القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، مثلاً، كان الأسلوبُ المفضَّل في اللغة العربية هو أسلوب السجع والألفاظ المهجورة أو النادرة. واستمر هذا الأسلوب حتى القرن الميلادي التاسع عشر، أيام الثورة الصناعية وانتشار الصحافة في البلدان العربية، ما تطلَّب السرعة في الكتابة ويُسرها. ولم يعُد أسلوبُ السجع ملائماً لروح العصر. وتبدَّل الذوق العام، وأمسى النثر المسجوع أسلوباً غير مرحبٍ به، ويُحسَب متعالياً وعسيراً على الهضم والفهم.

ومع ذلك، فبالإضافة إلى الأسلوب الشائع في كل عصر، هنالك الأسلوب الشخصي. فلكلِّ كاتبٍ أسلوبه المميز في الكتابة، بناء على شخصيته وثقافته وخبراته وميوله. ولهذا قيل في اللغة الفرنسية ” الأسلوب هو الرجل نفسه”« Le style est l’homme même ».
وتتصل بالموضوع الذي تفضلتِ بإثارته، مسألةُ الغموض. والغموضُ إمّا مقصود وإمّا غير مقصود. والأول يلجأ إليه الشعراء لإضفاء التأويلات العديدة على نصوصهم. فالتأويلُ يمنح الشعرَ حياةً متجددةً، إذ يهبهُ معنىً فريداً عند كلِّ تأويل. ولهذا قال الشاعر المعاصر أدونيس:
غموضاً، حيثُ الغموضُ أن تحيا،
وضوحاً، حيثُ الوضوحُ أن تموت.
أما الغموض غير المقصود، فمعظمه ضارٌ يعرقل الفهم. ومن خبرتي في الترجمة، أن النصَّ الغامض في اللغة المنقول إليها، ناتجٌ من عدمِ فهمِ المُترجِم النصَّ في اللغة الأصل. وفي الكتابة الإبداعية، ثمَّةَ أسبابٌ عديدة لهذا النوع من الغموض. وقد ظهرت كتب كثيرة لمعالجة أنواع الغموض وأسبابها، لعلَّ أشهرها كتابُ الشاعر الناقد البريطاني وليم أمبسون “أنواع الغموض السبعة“. William Empson. Seven Types of Ambiguity
ومن المسائل المتصلة بوضوحِ اللغة، مسالة “مقروئية النص“، التي تسهم فيها عوامل عديدة، من أبسطها، استخدامُ الشكل الضروري(الحركات)؛ واستعمالُ علامات التنقيط (النقطة، والفاصلة، والفاصلة المنقوطة، وعلامات الاستفهام والتعجب والاقتباس، إلخ.)، وتقسيمُ النصِّ إلى فقراتٍ بحسب الأفكار التي تتناولها؛ وغير ذلك.
ولهذا كلِّه، فإنَّ الكتابةَ الإبداعيةً مسارٌ دراسيٌّ في الجامعات الأمريكية الكبرى، يدرسه الراغبون في امتهان الكتابة (الشعر، الرواية، القصة، المسرحية، المقالة، النقد، إلخ..). ويتصدّى لتدريسه المشهورون من الأدباء والنقَّاد حتّى لو لم يحصلوا على شهادة الدكتوراه، الضرورية للتدريس في تلك الجامعات. فهم يدرِّسون طلابهم من خبراتِهم في الكتابة التي أوصلتهم إلى الشهرة.
والرائع في سؤالكِ أنكِ حدّدتِ مهمّة الكاتب في نقطتين أساسيتين هما: إمتاع القارئ، وتثقيفه (أي تزويده بالمعرفة). وهذا ما ذهب إليه الأديب الفيلسوف أبو حيان التوحيدي من أعلام القرن الرابع الهجري، فجعل عنوانَ أحد كتبه ” الإمتاع والمؤانسة”. وثمة خطأ شائع في فهم هذا العنوان إذ تُفهَم “المؤانسة” في المعنى الشائع، أي الأُنس والطرب والترفيه، على حين أن أبا حيان التوحيدي قصد بـ “المؤانسة ” المذاكرة المعرفية. فللفعل (أَنَسَ) معانٍ عدّة منها، ( أَبصَرَ ورأى وعَلِمَ).
فقد ورد في معجم “لسان العرب“: “استأنَسْتُ: استعلَمْتُ، ومنه…حتى تؤْنِسَ منه الرشدَ، أي تعلمَ منه كمالَ العقل وسدادَ الفعل وحُسنَ التصرُّف.” وهكذا يكون معنى عنوان كتاب أبي حيان: الإمتاع والمعرفة؛ تماماً كما تفضلتِ في سؤالكِ، وليس: الإمتاع والترفيه. فمهمةُ الكاتبِ تجمع بين إمتاع القارئ وإمداده بالثقافة والمعرفة. وهذا ما تلخصه المقولة الفرنسية “”Joindre l’utile à l’agréable“الجمع بين المفيد والممتع. (للتوسع في الموضوع، يُنظَر كتابي “الترجمة وأدواتها“، وكتابي ” الحب والإبداع والجنون: دراسات في طبيعة الكتابة الأدبية“.

النقد في الأصل يتناول الهدم والبناء معاً

المجلة الثقافية الجزائرية: غالباً ما يُحمل النقد دلالات خاطئة كونه مرتبط بفكرة الهدم لا البناء.. برأيك من المسؤول عن توتر العلاقة بين الناقد والمبدع ؟ 

د. علي القاسمي: نقدُ الأدب” مصطلحٌ أُخِذَ مجازاً من مصطلح ” نقدُ العملة” الذي كان يعني النظرَ في العملة الفضية أو الذهبية وتمييزها، ومعرفةَ رديئها من جيّدها. وهكذا فالنقد الأدبي يعني النظرَ في النصِّ وإضاءته بتفسير الناقد وفكره، لتبيان ما فيه من مواطنِ الجمال، وكذلك المواضع التي أخفقَ فيها صاحبُ النص.

فالنقد في الأصل يتناول الهدم والبناء معاً. فكان كثيرٌ من نقّادِ الشعرِ العربِ القدامى، مثلاً، يضعون أيديهم على السرقات الشعرية، والاختلالات التي نالت من الوزن والقافية في القصيدة، ويقترحون الصيغَ الصحيحة، في نظرهم. بيدَ أنَّ نظريات النقد الحديثة ومناهجه، ركّزت أكثر على إعطاءِ الأولوية لإبراز جماليات النصِّ، من أجل تصعيد لذَّة القراءة لدى المتلقي.
وفي الوقت الحاضر، وبشكل عام، لا يتناول الناقد نصاً أدبياً بالدراسة، ما لم تكن هناك علاقة ودية بين الناقد والمبدع، أو بين الناقد والنتاج الأدبي لذلك المبدع. (للتوسع في الموضوع، يُنظَر كتابي ” مفاهيم الثقافة العربية” ط2، وكتابي ” النور والعتمة: إشكالية الحرية في الأدب العربي“.

الحوار والمناظرة من وسائل الوصول إلى الحقِّ والحقيقة

المجلة الثقافية الجزائرية: هل مازلنا نفتقد هذا الحوار بيننا وبين الآخر المخالف لنا في الرأي؟ في هذه الحالة كيف نؤسس لعلاقة سليمة بين الناقد والكاتب بعيداً عن استعراض الذات ونفي تعب كل منهما؟
د. علي القاسمي: إن أدب الحوار، والتسامح، وتفهّم رأي الآخر، والجنوح إلى السلم، جميعها تعتمد على الأسرة والمدرسة والثقافة عموماً. والعلاقة بين الناقد والكاتب لا تخرج عن هذا الإطار. ففي ثقافتنا العربية الإسلامية تقاليدُ حميدةٌ في أدبِ الحوار والمناظرة، لأنهما من وسائل الوصول إلى الحقِّ والحقيقة. فكان الإمام الشافعي يقول: “ما ناظرتُ أحداً قط فأحببتُ أن يُخطئ. وما كلَّمتُ أحداً قط وأنا أبالي أن يبيّن الله الحقَّ علي لساني أو على لسانه.”
واختلاف الرأي يمتاز عن الجدل، فالجدل إذا لم يقترن بالأدب واللطف يمسي سلبياً، ولهذا ورد في القرآن الكريم ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾. أما التعبير عن الرأي بلين ودماثة فهو إيجابي وقد يقع الاختلاف في الرأي بين غريبيْن أو بين صديقيْن عزيزين أو بين أخويْن شقيقيْن، فلا ينال شيئاً من علاقتهما، بل قد تزداد وثوقاً ومودةً، وهذا ما عبَّرَ عنه الشاعر أحمد شوقي بقوله على لسان قيس بن الملوّح في مسرحية “مجنون ليلى”:
ما الذي أضحكَ مني الظَّبياتِ العامريةْ؟
أ لأني أنا شيعيٌّ وليلى أمويَّةْ؟!
اختلافُ الرأيِّ لا يُفسدُ للودِّ قضيةْ!
(للتوسّع في الموضوع، يُنظر كتابي ” لغة الطفل العربي: دراسات في التخطيط اللغوي وعلم اللغة النفسي“، وكتابي ” الحب والإبداع والجنون: دراسات في طبيعة الكتابة الأدبية“.

الثقافة هي أساس التنمية البشرية

المجلة الثقافية الجزائرية: كمثقف موسوعي مهتم بالتربية والتعليم والآداب الإنسانية دعني أسألك: إلى أي حد يمكن الرهان على الثقافة في استنهاض العقل العربي خصوصاً وأن مجتمعاتنا نشأت أساساً على القمع وأحادية النظرة ورفض التعددية والرأي الآخر؟
د. علي القاسمي: إن كتاب ” التنمية البشرية ” الذي يُصدره سنوياً البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، يبيّن المنهجية التي ينبغي أن تتّبعها الدول الأعضاء في منظَّمة الأُمم المتحدة، لتحقيق التنمية البشرية لشعوبها. كما يشتمل الكتاب على جردٍ شاملٍ وإحصاءاتٍ تتعلَّق بالتنمية في قرابة 190 دولة، ثمَّ يصنِّف هذه الدول حسب واقع التنمية فيها ابتداءً بأرقاها تنميةً إلى أدناها. وتحصل الدولة الأرقى على رقم 1.
ومفهوم التنمية البشرية يختلف عن مفهوم التنمية الاقتصادية الذي كان سائداً في أواسط القرن الماضي، والذي يرمي إلى زيادة الناتج القومي الإجمالي. فالتنميةُ البشرية ترومُ ترقيةَ الإنسان نفسه ورفاهيته. فالإنسان هو الغاية وهو الوسيلة. ويعتمد دليل التنمية البشرية على ثلاثة أبعاد:
1) التعليم وانتشار المعرفة والثقافة، ويقاس التعليم بإحصاءات التمدرس والأمية.
2) الصحة، وتقاس بمتوسط العُمر المتوقع للفرد عند الولادة.
3) الدخل الفردي (وليس الدخل القومي الإجمالي للبلاد)، بل الدخل الفردي الفعلي،الكافي لتحقيق معيشة تليق بالكرامة الإنسانية.
وثمة أبعاد أخرى تهدف إلى تحقق التنمية المستدامة التي تحفظ حقوق الأجيال القادمة في الموارد الطبيعية وعدم استنفادها أو تلويثها. ولهذا عقدت الأمم المتحدة مؤتمراتِ قمَّةٍ لتدارس المناخ. ومن هذه الأبعاد المساواة بين السكان وبين الجنسين، ومراعاة حقوق الإنسان، وغيرها.
وخلاصة القول إنَّ التنمية البشرية ترمي إلى الاستثمار في الإنسان نفسه: في صحَّته وتعليمه ورفاهيته. وتُرينا الدراسات العلمية أنَّ الدولة تستطيع أن تحقق التنمية البشرية خلال جيلين (مدّةُ الجيل حوالي 25 سنة)، إذا اعتمدت التعليم الجيد أساساً لتنميتها.
وفي أواسط القرن الماضي كانت البلدانُ العربية أكثر تقدماً من دول كثيرة في آسيا وإفريقيا. ومن الأمثلة على ذلك سنغافورة التي كانت أفقر دولة في آسيا في الستينيّات من القرن الماضي؛وأصبحت اليوم تحتلُّ المرتبة 5 في التنمية من بين 190دولة. يقول الرئيس لي كوان يو، الذي حقَّق تنمية سنغافورة والذي يُلقَّب بالمعلِّم الذي حوَّل التراب إلى ذهب: “إلى أي درجة كانت سنغافورة الستينيات تعيسة بائسة: فقر ومرض وفساد وجريمة. بيعت مناصب الدولة لمن يدفع، خطف رجال الشرطة الصغيرات لدعارة الأجانب، وقاسموا اللصوص والمومسات فيما يجمعون. احتكر قادة الجيش الأراضي والرز، وباع القضاة أحكامهم. قال الجميع: الإصلاح مستحيل.لكنني توجَّهتُ إلى المعلمين الذين كانوا في بؤس ويزدريهم الجميع، ومنحْتُهم أعلى الأجور وقلت لهم: أنا أبني لكم أجهزة الدولة، وأنتم تبنون لي الإنسان.
سأل أحد الصحفيين لي كوان يو: ما هو الفرق بين سنغافورة ودول العالم الثالث الآسيوية؟ فأجاب: “الفرق هو أَنّنا نبني المدارس والمكتبات ودور البحث العلمي وهم يبنون المعابد. نحن ننفق موارد الدولة على التعليم، وهم ينفقونها على السلاح. نحن نحارب الفساد من قمة الهرم، وهم يمسكون اللصوص الصغار ولا يقتربون من المفسدين الكبار.
فالثقافة هي أساس التنمية البشرية. (للتوسع يُنظَر في كتابي “الجامعة والتنمية” وكتابي “حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان“، وكتابي ” السياسة الثقافية في العالم العربي“.

 (التراث) تراكمٌ حضاريٌّ وثقافيٌّ

المجلة الثقافية الجزائرية: كثير من المثقفين يرفضون التراث ويعتبرونه سبب التخلف والجهل والإرهاب.. لكن كيف نعطي التراث حقه كامتداد للحاضر والمستقبل؟ كيف نقرأه بموضوعية بعيداً عن التمجيد والتقديس لنتعلم منه؟
د. علي القاسمي: يعني “التُّراث” باللغة العربية ما يخلِّفه الميت لورثته من تركةٍ ،سواء أكانت تلك التركة مالاً أو مجداً أو عقيدةً أو علماً أو فكراً. وفي أثناء ما يُسمى بالنهضة العربية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حاول المثقَّفون العرب في المشرق إحياءَ التراث الفكري والثقافي العربي، في سعيهم إلى إيجاد هُويةٍ عربيةٍ مشتركة ،تُمكِّن من إقامةِ أُمّةٍ عربيةٍ موحَّدةٍ مستقلَّةٍ عن الإمبراطورية العثمانية.
أخذ استعمال لفظ “التراث” في القرن العشرين يدلّ على “ما ورثه العرب عن أسلافهم من ثقافة وحضارة” وراح اسم “التراث” يختلف في دلالته الخاصَّة عن اسميْن آخريْن مشتقَّيْن من الفعل (وَرِثَ) كذلك،هما “الإرث” و”الميراث“،إذ إنَّهما صارا يشيران إلى نصيب كلِّ فردٍ من تركة الميّت فهما يقتضيان وفاةَ الأب وحلول الابن محلَّه، في حين أنَّ “التراث“، في دلالته الحديثة يشير إلى الإرث الفكري والثقافي الذي وصلنا من آبائنا وأسلافنا على مرِّ العصور، والذي ما يزال فاعل في ثقافتنا السائدة. وهكذا، فإذا كان”الإرث أو الميراث“المادّي يتطلَّب موتَ الأب أوَّلاً، فإنَّ “التراث” الفكري والحضاري يعني حضور الأب في الابن،واستمرار الماضي في الحاضر.
فـ (التراث) تراكمٌ حضاريٌّ وثقافيٌّ ينتقل عبر الأجيال والقرون عن طريق اللغة والمحاكاة والتقليد، ويشمل العناصر التالية:
ــــ معارف (العلوم الإنسانية والعلوم الأساسية والطبيعية)
ـــ قِيَم (أنماط تفكير وسلوك،وعادات ومُثُل)
ـــ نُظُم ومؤسَّسات ( الأسرة،المسجد،المدرسة،الأوقاف،الخلافة).
ــــ إبداع وصنع: (الغناء والموسيقى والتراث الشعبي، والفنون المعمارية والزخرفية والتصويرية).
مرَّ التراث العربي الإسلامي بعصورٍ عديدة، منها المتقدِّمة، ومنها المتخلِّفة التي يُطلق عليها “عصر الانحطاط“، وأفرزت لنا هذه العصور خليطاً من التراث الجيّد والسيئ. وعلينا التمييز بين النوعيْن، والأخذ بالتراث الذي يتلاءم مع ما يُسهم في تقدّم ثقافتنا في الحاضر والمستقبل.ولهذا السبب دعا بعض المفكرين العرب مثل اللبناني حسين مروة، والمصري حسن حنفي والجزائري محمد أركون والمغربي محمد عابد الجابري، إلى القطيعة مع التراث. وطبعاً يقصدون بذلك القطيعة مع الجوانب الرديئة من التراث. فبعض عناصرِ التراث لا يمكن القطيعة معها بسهولة، مثل اللغة التي تنقلُ التراث من جيل إلى جيل وتتطوَّر بتطوُّر الناطقين بها، ومثل الأخلاق الحميدة كالصدق والوفاء والإخلاص في العمل والإبداع (الاجتهاد)، من دون أن تحدث تلك القطيعة خللاً كبيراً في سلوكنا وشخصيتنا ومجتمعنا. (للتوسع يُنظَر في كتابي “التراث العربي الإسلامي: تساؤلات وتأملات“).
معجم الاستشهادات” يخدم جمهوراً مخصوصاً

المجلة الثقافية الجزائرية: “معجم الاستشهادات” صدر بعدة طبعات باعتباره إضافة مهمة للغة الضاد وخلاصة مبوبة للفكر العربي وقيمه…. لكن لماذا عجزت المعاجم عن المواكبة والتطور؟ وما سب عزوف القارئ العربي عن هذه الذخيرة اللغوية؟

د. علي القاسمي: لقد جاء سؤالك الكريم في الوقت المناسب، وهو سؤالٌ يتمتع بأهمية خاصة. فقد جرت، قبل ثلاثة أسابيع، مناقشة رسالة ماستر في جامعة مولود معمري ــــ تيزي وزوــــ قدّمها الطالب الجزائري الأستاذ حكيم شاوش، بإشراف أستاذه العالِم لجزائري أخي الدكتور صالح بلعيد، وعنوانها “معجم الاستشهادات الموسَّع أنموذجاً، دراسة وصفية تحليلية“، وأُجيزت بدرجة مشرّف جداً.
ومعجم الاستشهادات، هو كتاب يضم الأقوال، والأمثال، والحِكم، الشعرية والنثرية وتلك المقتبسة من القرآن أو الكتب المقدسة، والأحاديث النبوية، التي يستشهد بها المتحدِّث أو الخطيب في كلامه، أو يستشهد بها الكاتب أو المؤلف في نصوصه، ليُكسبَ رأيَهُ قوةً وصلابةً، من أجل إقناع المستمع أو القارئ بالرأي الذي يُدلي به. وتُرتَّب هذه الاستشهادات بطرائق مختلفة: بحسب موضوعاتها، أو تاريخها، أو مصادرها، أو تخصُّصاتها، أو غير ذلك.
ولأن هذه المعاجم تقدِّم خلاصة مبوبة لفكر الأمَّة، كما تفضلتِ، فإن اللغات العالمية كالإنجيلزية والفرنسية والألمانية تمتلك أنواعاً عديدةً منها. مثل معجم الاستشهادات الموسيقية، ومعجم الاستشهادات الاقتصادية، ومعجم الاستشهادات الشعرية، إلخ. ففي اللغة الإنجليزية نجد حالياً أكثر من مئة معجم للاستشهادات، وفي اللغة الفرنسية ما يربو على ثمانين معجماً. وعلى الرغم من أن اللغة العربية هي أم اللغات جميعاً، ولصناعة المعجم فيها تراث ناصع كبير، فإنها لم تعرف معاجم الاستشهادات القرن الميلادي العشرين؛ وإنما تملك عدداً لا بأس به من كتب الأمثال.
ولهذه الظاهرة أسبابها التي شرحتها في مقدمة كتابي “معجم الاستشهادات” الذي صدر في بيروت سنة 2001. ثم أصدرتُ كتابي ” معجم الاستشهادات الموسع ” سنة 2008، وكتابي “معجم الاستشهادات الوجيز للطلاب” سنة 2014. ولكلِّ واحد من هذه المعاجم منهجية مختلفة، وطريقة ترتيب متباينة، ويخدم جمهوراً مخصوصاً ويستجيب لاحتياجاته.
وقد بيّنتُ في مقدمة الأوّل من هذه المعاجم، كيفية تصنيف معاجم الاستشهادات، وأغراضها، ومناهجها، وطرائق ترتيبها، بحيث يستطيع مَن يرغب، تأليفَ هذا النوع من المعاجم على أُسسٍ علميةٍ معجمية.

ثقافتنا ستختلف بعد كورونا

المجلة الثقافية الجزائرية: جائحة كورونا أضافت سبباً آخر لحالة التراجع الثقافي الذي نعيشه في مجتمعاتنا.. وجعلتنا نتساءل عن حصن الثقافة، عن هاجس المعرفة،عن إمكانيات التطور.. برأيك إلى أي حد يستطيع المثقف تجاوز هذا الظرف بالاستفادة من وسائل الاتصال الحديثة؟ وهل ما زال التفاعل بينه وبين المتلقي ممكناً؟
د. علي القاسمي: حصل كسادُ الثقافةِ بسبب جائحة الكورونا في البلدان المتخلّفة مثل بلداننا، مع الأسف ( ومن نباهتكِ، قولك:” التراجع الثقافي في مجتمعاتنا“) . أمّا في البلدان المتقدِّمة فقد نتج عن هذه الجائحة وتداعياتها إقبال أكثر على القراءة والثقافة. ففي بداية الجائحة، عندما اتّجهت نيةُ دولِ العالم إلى فرض الحجر الصحي، هرع المواطنون في الدول المتقدِّمة إلى المكتبات لاقتناء الكتب بوصفها أفضل وسيلة لتمضية الوقت في المنزل، حتى أن الصحافة الأوربية نقلت أنباء نفاد الكتب من أغلب الرفوف في مكتبات بيع المطبوعات. أما في البلدان المتخلفة، فقد هجم المواطن على مخازن الأطعمة لشراء المواد الغذائية وتخزين الطعام في منازلهم.
القراءة أساس الثقافة والمعرفة والعلم. وعادة القراءة في البلدان العربية اندثرت في عصر الانحطاط، وما زالت مندثرة، ولم تعمل مدارسنا الحديثة على غرسها في نفوس أطفالنا. والأنكى من ذلك، أننا أمسينا نعتبرُ حمل الكتاب في الطريق عيباً وعاراً؛ على حين أنك في أوربا لا ترى في وسائل المواصلات، وفي الحدائق، والمقاهي، مَن لا يقرأ، في كتاب أو حاسوب. فأوربا تنتج من الكتب (الورقية والإلكترونية) أعداداً أكثر بكثير من أرغفة الخبز.

بلى؛ يحفظ أطفالنا في المدارس عن ظهر قلب قصائد في مدح الكتاب وقيمة القراءة، مثل قول المتنبي:
أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابِحٍ … وخَيرُ جَليسٍ في الزَّمانِ كتابُ
ولكنَّ حفظ هذا البيتِ وأمثاله لا يكوِّن لديهم عادة القراءة، كما أنه لا يعلّمهم ركوب الخيل الذي ورد في صدر البيت. فتكوينُ العادات يحتاج إلى تكرارها كثيراً مدَّة كافية حتى تُصبح من مهام العقل الباطن (اللاواعي)، وتغدو حاجة نفسيّة ماسة لا يرتاح الفرد إنْ لم يمارسها. فغرسُ عادة القراءة في نفوس الأطفال في مدارسنا يحتاج إلى دروس نظرية وتطبيقات عملية. فالدروس تقنعهم بفوائد القراءة للفرد والمجتمع. والتطبيقات هي تمرينات على القراءة الجهرية والهمسية، وتكرار هذه التمرينات يومياً. وتتضمن أن يقوم التلميذ في المنزل بقراءة كتابٍ مناسبٍ في كلِّ أسبوع على الأقل. مع متابعة حثيثة من المعلّم لتلك القراءة.
ومن ناحية أخرى، فإنَّ جائحةَ كورونا أدَّت إلى تطوّر في البرامج الحاسوبية، وتكنولوجيا وسائل الاتصال، لتوفير المعلومات المدرسية للأطفال في منازلهم عن طريقها، وتفادي التجمعات التي تساعد على انتشار هذا الفيروس. ويقيناً أن عالمنا وثقافتنا ومدارسنا وجامعاتنا، ستختلف من حيث المناهج والطرائق والوسائل بعد الجائحة، عما كانت عليها قبلها.
وستبقى بلداننا متخلِّفة ما بقيت مدارسنا تعلِّم المنهج المدرسي فقط، ولا تغرس عادة القراءة في نفوس الأطفال، بحيث يشعر الفرد، منهم ومنا، بأنه لا يحيا حياته ما لم يقرأ طوال أوقات فراغه، ويكتسب الثقافة والمعرفة. وإلا فسنظل قوماً نعيش لنأكل.
(للتوسع في الموضوع، يُنظَر:
ـــ الدكتور محمود محمد علي. جائحة كورونا، بين نظرية المؤامرة وعفوية الطبيعة (الإسكندرية: دار الوفاء للطباعة والنشر، 2021)
ــــ الدكتور طالب الخفاجي. العقل الخبيث: كيفية تحقيق السعادة والتحكُّم بالعقل الباطن. ترجمة: د.علي القاسمي ( الرياض: دار التوبة للنشر، 2019).

الرواية العربية حققت تقدُّماً ملحوظاً لكنَّه محدود

المجلة الثقافية الجزائرية: الرواية العربية المعاصرة غاصت في خفايا التاريخ وطرقت كل المواضيع الاجتماعية غالباً. برأيك إلى أي حد نجح الروائيون في عرض تمثيل سردي مغاير عن السرد التقليدي؟
د. علي القاسمي: لا شك في أن الرواية العربية حققت تقدُّماً ملحوظاً. ولكنَّه يبقى محدوداً، لثلاثة أسباب:
السبب الأول، لا يوجد أدباء عرب محترفون؛ كلُّنا هواة. فنحن نعمل في الصحافة أو التعليم أو ما إلى ذلك لنكسب عيشنا، وفي أوقات فراغنا، إذا بقي لنا وقتُ فراغٍ بعد القيام بواجباتنا في العمل والبيت العائلي، ندوِّن ما قد يلّح علينا من شعر أو نثر.
وإذا أنتجنا كتاباً تواجهنا مشكلة النشر. فليس هنالك ناشرون في العالم العربي، بل معظمهم تجّار كتب، يجهلون، أو يتجاهلون شيئاً اسمه حقوق المؤلِّف. فالكاتب العربي الذي يريد أن ينشر كتابه الأول أو كتبه الأولى، يواجه ما يُشبه الابتزاز. فالناشرون يطلبون منه أن يدفع ألف أو ألفي دولار. وأكثر الناشرين لا يعرفون شيئاً اسمه العقد وما يجوز وما لا يجوز النصُّ عليه فيه. أرسلتُ ذات مرّة رواية مترجمة إلى ناشر عراقي في دمشق لاستطلاع رأيه في إمكان نشرها، نشرها دون أن نتفق أولاً. وعندما طالبته بحقوق الترجمة. أخبرني بأنها حسب عدد الكلمات عندهم، وسأحصل على 25 دولاراً لا غير. فلم أكتب إليه بعد ذلك حفاظاً على وقتي. ثمَّ انتقل هذا الناشر إلى العراق، وأصدرت داره طبعة جديدة من 

ترجمتي لتلك الرواية. فنبَّهتُ تلك الدار بأنها فعلت ذلك بدون أن نتفق أولا على ذلك. أجابت الدار بأنَّ ملفّاتها بقيت في دمشق ويصعب معرفة الاتفاق الأصلي. وبعد مراسلات طويلة أخبرتهم فيها بأنه لا يوجد عقد بخصوص تلك الرواية، بعثوا إليَّ بعقد عجيب غريب مُدَّته 99 سنة، مقابل مبلغ زهيد. ولم أسمع بعقد مُدَّته 99 سنة إلا في عقود الإيجار الطويل في بريطانيا، الذي طبَّقت مثله مع الصين عند استعمارها هونغ كونغ.
السبب الثاني، إن الذين يمارسون الكتابة الأدبية في العالم العربي، لم يتعلَّموا أصول الكتابة الأدبية. ففي الجامعات الأمريكية الكبرى، هناك دروس ينخرط فيها ذوي المواهب، ليتعلَّموا تقنيات كتابة الشعر، أو القصة القصيرة، أو الرواية، أو المسرحية، أو غيرها، تماماً كما يتعلَّم الراغبون في امتهان الفنون التشكيلية، تقنيات الرسم، أو النحت. وعادةً ما تستعين تلك الجامعات بالشعراء المرموقين، والقصاصين البارزين، والروائيين الأعلام، لإعطاء تلك الدروس المتخصِّصة. وهؤلاء هم الأساتذة الوحيدون الذين يُعفَون من شرط حصولهم على شهادة الدكتوراه المطلوبة للتعليم في الجامعة. فإذا وجِد قاص مشهور، مثلاً، حقق نجاحات مثالية في كتابة القصة القصيرة، ولم يحصل على أكثر من شهادة المدرسة الثانوية، فإن بعض الجامعات ترغب في استخدامه أستاذاً ليعلّم طلابه التقنيات التي طوّرها، والتجارب التي أجراها، وأثبتت نجاعتها في التأثير في المتلقي.
السبب الثالث، إن معظم الحكومات الشمولية في العالم العربي لا تشجع الثقافة، إنْ لم نقُل تحاربها. أو كما قال أحد زعما ء النازية الألمان، غوبلز: “عندما أسمع كلمة ثقافة، أضع يدي على مسدسي“. فمثل تلك الحكومات تعمل على تجهيل شعوبها ليسهل تنويمها وسرقتها. أما الدول التي ترعى الثقافة وتشجعها، فتكافئ المثقَّفين بطرق متعدِّدة، وتيسّر لهم إنجاز مشاريعهم الفكرية. ففيها إقامات على الشواطئ، والمناطق الجبلية ذات المناظر الخلابة، مجهزة بالمكتبات والمطاعم والملاعب، تستقبل الباحثين والكتّاب والأدباء والفنانين، لثلاثة أشهر، أو ستة شهور، أو سنة كاملة ضيوفاً على الدولة؛ ليتمكّنوا من استكمال بحوثهم أو كتبهم.(تذكَّري أنَّ الأدباء والمفكرين، إبّان ازدهار الثقافة العربية الإسلامية، يحصلون على رواتب شهرية، ويحلّون ضيوفاً على الخليفة أو الوزراء أو الولاة أو العمّال، ويجرون مناظراتهم الفكرية بحضورهم، ويستفيدون من مكتباتهم وعطاياهم الجزيلة).

علاقتي بالأدب الجزائري والرواية الجزائرية علاقة خاصّة

المجلة الثقافية الجزائرية: دعني أسألك عن الرواية الجزائرية تحديداً.. كيف ترى تطورها في حدود ما قرأته للروائيين الجزائريين بحكم إقامتك في المغرب لسنوات طويلة؟
د. علي القاسمي: سؤالك الكريم عن الرواية الجزائرية، يحتاج إلى حوارٍ مستقلٍّ. وبصورة عامة، فإنها ــــ في رأيي المتواضع ــــ جزءٌ من الرواية العربية عموماً ذات الجذور في القصص القرآني والسيرة النبوية والمقامات وألف ليلة وليلة وغيرها. وقد تأثرت بظهور الرواية في أوربا في القرن الثامن عشر بفعل انهيار طبقة الإقطاع الأوربية، وبفضل فكر عصر الأنوار وظهور الطبقة البرجوازية الوسطى في أوربا. ولا نغفل آثار الروايات العربية التي ظهرت في المشرق والمغرب أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن العشرين، خاصة روايات جورجي زيدان التاريخية، ذات الانتشار الواسع.وهكذا فالرواية الجزائرية متحت من ثلاثة روافد ثقافية: الرافد الجزائري الوطني، والرافد الأدبي العربي، والرواية الفرنسية المتطوّرة.

بيد أن علاقتي الشخصية بالأدب الجزائري عموماً، والرواية الجزائرية خصوصاً، علاقة خاصّة، لأنني أنتمي إلى جيل يُطلَق عليه “جيل الثورة الجزائرية”. فعندما كنتُ طالباً في دار المعلمين العالية بجامعة بغداد (من 1957ــــ1961) كانت الثورة الجزائرية مستعرة، وكانت الدار تعج باللقاءات والمظاهرات والأدب شعراً ونثراً تأييداً للثورة الجزائرية. والأكثر من ذلك أنني في تلك الفترة كنتُ أعمل مترجماً ومحرراً لنشرة إخبارية في وكالة الأنباء العراقية المسؤولة عن إعداد النشرات الإخبارية لدار الإذاعة والتلفزة العراقية، كلَّ ساعتين. وكانت تعليماتُ رؤسائنا ألا تخلو نشرة من النشرات الإخبارية عن أنباء الثورة الجزائرية لتأجيج مشاعر المستمعين النبيلة وحشد تأييدهم للثورة. ولهذا كنتُ أقرأ جميع ما يتعلّق بالجزائر في صحفنا الوطنية ووكالات الأنباء العالمية التي كانت تصلنا بالبرق الطابع (التلبرنتر) في الوكالة، بما في ذلك الأدب الجزائري، حتى مراجعات الروايات المكتوبة بالفرنسية لكتّاب جزائريين مثل محمد ديب ومالك حداد ومولود فرعون ومولود معمري وكاتب ياسين وآسيا جبار.
وبعد نجاح الثورة المجيدة واستقلال الجزائر، بقيتُ أتابع الرواية الجزائرية باللغة العربية حيث تطوّرت تطوراً ملحوظاً على يد الأجيال الصاعدة التي تشبّعت بالثقافة العربية الإسلامية، وتناولت آمالها وآلامها وإحباطاتها. ولعل رواية عبد الحميد بن هدوقة “ريح الجنوب” (1971) التي حوّلتها السينما الجزائرية إلى فيلمٍ، تشكِّل علامةً فارقة في نضوج تقنيات الرواية الجزائرية الحديثة.
وإذا أُتيحت لك الفرصة للاطلاع على بعض دراساتي مثل تلكتتناول “الإمام عبد الحميد بن باديس، رائد النهضة العربية الإسلامية في الجزائر” أو مراجعتي لكتاب صديقي المجاهد عثمان سعدي ” الثورة الجزائرية في الشعر العراقي” ستجدين الأدب الجزائري ماثلاً فيهما. وحتى في روايتي السير ذاتية “مرافئ الحب السبعة“، ستجدين الحديث عن جيلي وعن بعض الروايات الجزائرية مثل روايات الشاعرة الدكتورة أحلام مستغانمي.
(للتوسع في الموضوع: يُنظر كتابي “طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات“) وختاماً، أود أن أزجي جزيل الشكر وأخلصه إلى مجلة الثقافة ومحرريها وقرائها الكرام.

حوار مع علي القاسمي أجراه القاص عبد السميع بنصابر

شاهد المقال

حوار اذاعي في برنامج (في المكتبة: مكتبة علي القاسمي) الإعلامية اعتماد سلام.

شاهد المقال

حوار مع توماس هيمل حول تاريخ الأدب العراقي الحديث

شاهد المقال



حوار مع توماس هيمل حول تاريخ الأدب العراقي الحديث

أطروحة دكتوراه عن جعفر الخليلي في جامعة مشيغان

تمهيد: في العام الدراسي 1970ـ1971، كنت أدرس مرحلة الدكتوراه في اللسانيات في جامعة تكساس في أوستن. والمشرف على دراستي الدكتور آرتشبولد أ. هيل، Archibald A. Hillشيخ المدرسة البنيوية رئيس الجمعية اللغوية الأمريكية آنذاك. وكانت تلك الجامعة من الجامعات الكبرى القلائل التي تدرِّس اللغة العربية، والمسؤول عن شعبة اللغة العربية الدكتور بيتر عبّود الذي أستطاع أن يكوَّن فريق مؤلِّفين من عدد من أساتذة الجامعات الأمريكية لتأليف كتابٍ منهجي حديث لتدريس اللغة العربية الفصحى للمبتدئين عنوانه بالعربية " مبادئ اللغة العربية المعاصرة"1 . ثم نجح ذلك العام كذلك في الحصول على دعمٍ ماليٍّ لتأليف الجزء الثاني من الكتاب، الخاصِّ بالمرحلة المتوسطة من متعلِّمي اللغة العربية.

كان فريق المؤلِّفين سيجتمع في مقرِّ جامعة مشيغان ـ آن آربر خلال العطلة الصيفية سنة 1971 مدّة ستة أسابيع. وشُكِّل الفريق من عددٍ من أساتذة للغة العربية وآدابها في الجامعات الأمريكية وهم: بيتر عبود (جامعة تكساس)،  صالح جواد الطعمة (جامعة إنديانا)، والاس إيروين  (جامعة جورج تاون)2 .إيرنست مكيريوس، إيرنست عبد المسيح، راجي راموني (الجامعة المضيّفة، جامعة مشيغان).

ورأى بيتر عبود أن يستعين بثلاثةٍ من طلاب الدكتوراه بصفة مساعدي مؤلِّفين. وعرض عليَّ أن أكون واحداً منهم. فاعتذرتُ شاكراً. فسأل عن السبب فقلتُ إنني أريد أن أتابع مسارَين (صفين) خلال هذا الصيف في جامعة تكساس، أحدهما في علم اللغة التطبيقي والآخر في الأدب، فأحصل على 6 نقاط، لكي أستطيع التخرُّج بسرعة والعودة إلى بلدي. فقال: أنا أعطيك 6 نقاط إذا كتبتَ دراسةً عن طريقة تأليف الكتاب، ودراسةً عن الأدب العراقي الحديث، وحضرتَ مستمعاً لمسارَين في جامعة مشيغان: أحدهما في علم اللغة التطبيقي والآخر في الأدب. (ومعظم دروس الدكتوراه لا تشتمل على امتحانات بل يقدّم الطالب دراسات وبحوثاً، وما طلبه الدكتور بيتر عبود يقع ضمن مرونة النظام الجامعي الأمريكي والثقة بالأستاذ). فقبلتُ عرضه.

ونظراً لأنني كنتُ في السنة السابقة، قد أصدرتُ كتاباً في تعليم اللغة بالاستعانة بمختبر اللغة، وعنوانه "مختبر اللغة"3 . كما صدر لي، بالتعاون مع المستعرب الأمريكي وليم فريزير، كتاباً باللغة الإنكليزية عن القصة العراقية الحديثة، يشتمل على دراسات نقدية وإحدى عشرة قصة اخترناها وترجمناها إلى اللغة الإنكليزية، وإحدى هذه القصص لجعفر الخليلي4.

ولهذا فإنني حضرتُ في جامعة مشيغان مسارين (صفَّين) بصفة مستمع أحدهما عن تقنيات مختبر اللغة، والآخر عن القصة العربية الحديثة لأستاذ الأدب العربي في جامعة مشيغان المستعرب البريطاني الدكتور تريفور لكاسك.

وتشتمل الدراسة الأدبية التي قدَّمتُها باللغة الإنجليزية للدكتور عبود حواراً مع الأب اليسوعي توماس هيمل المدرّس في جامعة مشيغان والذي كان على وشك إنهاء أطروحته للدكتوراه عن جعفر الخليلي، أحد رواد القصة الحديثة في العراق. وفيما كنتُ أرتّب بعض الأوراق القديمة قبل أيام، عثرتُ على ذلك الحوار الذي أجريته قبل ما يقرب من خمسين عاماً، ولم أكن قد نشرته من قبل، وهذا نصه:

أطروحة دكتوراه عن جعفر الخليلي في جامعة مشيغان

بعد أكثر من خمسة عشر حولاً، تقوم جامعة مشيغان في آن آربر، إحدى كبريات الجامعات الأمريكية، برد الجميل للأستاذ جعفر الخليلي5 الذي ذكر تلك الجامعة، غير عامدٍ، في أُقصوصته " إنسان من العراق"، فتختاره اليوم بعد درس وتمحيص، موضوعاً لأوّل أطروحة دكتوراه عن الأدب العراقي المعاصر يعدّها توماس هيمل، Thomas Hamel، وتنتدب للإشراف على  هذه الأطروحة نخبةً من أساتذتها المختصين باللغة العربية وآدابها. فرئيس اللجنة المشرفة التي ستضطلع بمناقشتها، هو الأستاذ تريفور لكاسك.  والدكتور لكاسك  Trevor LeGassick مستعرب إنكليزي، ولد سنة 1934، وحاز البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة  لندن، وكتب أطروحته عن " القومية العربية" ونال الدكتوراه من الجامعة ذاتها سنة  1961، وعاش في البلاد العربية ما ينيف على أربع سنوات، دارساً آدابها، متصلاً بكتّابها، موثقاً أواصر الصداقة مع عدد من قصّاصيها  المرموقين، كنجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، ويوسف إدريس، وحليم بركات وديزي الأمير. وكان أول من ترجم بعض روايات نجيب محفوظ إلى الإنكليزية فقد ترجم له رواية " زقاق المدق"، وترجم لعدد آخر من الأدباء العرب، مثل مسرحية " الفرافير" ليوسف إدريس، التي ستنشرها جامعة كاليفورنيا قريباً، و "أنا حرة وقصص أخرى" لإحسان عبد القدوس، و"عودة الطائر إلى البحر" لحليم بركات وهي رواية حول القضية الفلسطينية، وتصوّر ما يعانيه اللاجئون، وتمجّد العمل الفدائي. وأخبرني الأستاذ لكاسك أنه يواجه صعوبة في الحصول على ناشر أمريكي للرواية الأخيرة، على الرغم مما تمتاز به من بناء فنّي جيد وأسلوب شيّق. ونشر لكاسك مقالاته عن الأدب العربي في أوربا وأمريكا، مُبرِزاً الخصال الإنسانية فيه، مشيداً بنضال الأدباء العرب بوصفهم حملة مشاعل الوحدة العربية. ورحل لكاسك إلى الولايات المتحدة حيث درًّس الأدب العربي فترات قصيرة في بعض معاهدها العليا مثل جامعة وسكانسون، وجامعة إنديانا، قبل أن يستقرَّ أستاذاً في جامعة مشيغان.

ومن أعضاء اللجنة المشرفة على الأطروحة عن جعفر الخليلي، الأستاذ إيرنست مكاريوس رئيس دائرة لغات الشرق الأدنى وآدابها في جامعة مشيغان، وهو لغوي أمريكي من أصل عربي، ولد في فرجينيا الغربية سنة 1922، وحصل على البكالوريوس في اللغة اليابانية، ثم الماجستير في اللغة الإسبانية، ثم الدكتوراه في علم اللغة من جامعة مشيغان. وكان موضوع أطروحته للدكتوراه " اللغة الكردية: لهجة السليمانية". وعُرِف الأستاذ مكاريوس بدراساته وأبحاثه في اللغتين العربية والكردية، وتربو مؤلَّفاته على الأربعين كتاباً وبحثاً. كما يقوم الآن بالتعاون مع أساتذة آخرين بمشروع لغوي بدأه منذ ثلاث سنوات يهدف إلى إنشاء مدوَّنة نصوص عربية، وتحليل التراكيب العربية الفصحى ودراسة قواعدها، باستخدام الحاسوب. ومن المؤمَّل أن يتمخَّض هذا المشروع عن نتائج على جانب كبير من الأهمية في الدراسات النحوية والبلاغية.

أما مرشَّح الدكتوراه الذي يضطلع بإعداد هذه الأطروحة، فهو الأب اليسوعي الأمريكي توماس هيمل، الذي ولد سنة 1926، وحصل على بكالوريوس في الآداب سنة 1950، وحاز الماجستير في الفلسفة في السنة التالية. وذهب إلى العراق ليدرّس اللغة الإنجليزية في كلية بغداد في عاصمة هارون الرشيد ـ كما يحلو له أن يسمى عاصمتنا ـ مدّة أربع سنوات. ثم تابع دراساته الفلسفية واللاهوتية في أمريكا وبلجيكا مدَّة خمس سنوات وحاز شهادات أخرى. وعاد إلى بغداد مدرِّساً للفلسفة في جامعة الحكمة بين عامي 1963 و1966. ثم التحق بجامعة جورج تاون بواشنطن العاصمة؛ وفي سنة 1967، انتقل إلى دائرة لغات الشرق الآدنى وآدابها في جامعة مشيغان بوصفه مرشحاً للدكتوراه ومدرِّساً  للغة العربية6.

التقيت الأب توماس هيمل، أوَّل مرّة، في أحد دروس الدكتور تريفور ليكاسك في جامعة ميشغان عن الأدب العربي. وخُصِّص ذلك الدرس لمناقشة " تطور الأقصوصة في العراق". وقد لفت انتباهي اطلاعه الواسع على الأدب العراقي الذي تجلّى في ملاحظاته القيمة التي أبداها في حصة المناقشة. والتقينا بعد ذلك للتعارف، واتفقنا على إجراء الحوار التالي:

سؤال: كيف بدأ اهتمامك بالدراسات العربية؟

جواب: كنتُ أعيش في العالم العربي في أوائل الخمسينيات، فقد ذهبتُ إلى العراق سنة 1950 لتدريس اللغة الإنكليزية في كلية بغداد. وفي السنة التالية بدأ الآباء اليسوعيون برنامجاً لتدريس اللغة العربية، فأُتيحت لي الفرصة لتعلُّم اللغة العربية تحت إشراف الأب ريتشارد مكارثي. وكان التركيز منصباً على اللغة العربية الفصحى، بالإضافة إلى الاهتمام باللهجة العراقية.

س: لماذا اخترتَ الأستاذ جعفر الخليلي موضوعاً لأطروحتك؟

ج: عندما كنتُ أعدُّ نفسي لمواصلة دراسة الدكتوراه، عقدت العزم على أن أكتب أطروحتي عن الأدب العربي، وبخاصة الأدب العراقي الحديث، وكان ذلك أمراً طبيعياً لا سيما أنني كنتُ أعيش في بغداد آنذاك. كما أني قمتُ باستطلاع رأي الأستاذين كوركيس عواد ويوسف مسكوني اللذين اقترحا عليَّ أن تكون الأطروحة عن أديب عراقي، ورشَّحا عدداً من الأدباء العراقيين ومن بينهم الأستاذ جعفر الخليلي، ولقد وقع اختياري عليه لفضله على القصة الحديثة في العراق. وهل هنالك اختيار أوفق من رجل كرَّس حياته كلًها لقضية الأدب في بلاده؟!

س: أنت تعلم أن الأستاذ جعفر الخليل هو صحفي، وقصاص، وناقد، ودارس أدب، ومفكر اجتماعي، ومؤرِّخ، وجغرافي. فأي جانب من كتاباته تناولت في اطروحتك؟

ج: تتناول أطروحتي أعمال الخليلي القصصية فقط؛ بل اقتصرت أبحاثي على الأعمال التي نُشِرت على شكل مجموعات قصصية، ولهذا فإني أعترف بأن دراستي هي مجرّد مقدِّمة لفنِّ القصّة لدى الخليلي.

س: هل التقيت بالأستاذ الخليلي؟

ج: نعم، لقد حظيتُ بمقابلة الأستاذ الخليلي لأوَّل مرَّة عندما كنتُ في بغداد. وقد غمرني بلطفه، وابدى استعداده لتقديم جميع التسهيلات اللازمة لبحثي، حتى قبل أن يعرف بأنه سيكون موضوع أطروحتي بالذات. ثم زرته بعد ذلك بضع مرّات. كما أني أراسله كلَّما احتجتُ إلى إيضاح.

س: هل تواجه صعوبة في الحصول على المصادر اللازمة للبحث؟

ج: إنني لا أزال أبحث عن أعداد جريدة "الهاتف" الكاملة.

س: لقد أخبرني الأستاذ الخليلي ذات مرة أنه باع مجموعة أعداد جريدة "الهاتف" إلى مكتبة جامعة شيكاغو التي وعدت بإرسال نسخة مصورة منها إليه. ولا تبعد شيكاغو كثيراً من آن آربر، فلماذا لا تذهب إلى المكتبة المذكورة؟

ج: لقد سمعتُ هذا الخبر من زميلك الأستاذ وليم فريزير، فسافرتُ إلى شيكاغو فور سماعي الخبر، ولكنّي لم أعثر على جريدة " الهاتف" في فهرس المكتبة.

س: كم فصلاً تضمُّ أطروحتك؟

ج: لقد أتممتُ حتى الآن أربعة فصول هي:

1) ظهور القصة الحديثة في العراق، والخلفية الأدبية والتاريخية والاجتماعية لها.

2) ترجمة حياة الخليلي.

3) قصص الخليلي حتى الحرب العالمية الثانية.

4) قصص الخليلي بعد الحرب العالمية الثانية.

وقد ظننتُ أن أطروحتي باتت معدَّة للمناقشة، بيدَ أن الأستاذ المشرف على الأطروحة، البرفسور لكاسك، طلب إليَّ أن أكتب فصلاً خامساً عن " مكانة الخليلي في الأدب العراقي الحديث". وأنت تعرف أنَّ ذلك يتطلَّب دراسةً شاملة للأدب العراقي، وتقييم معطيات الخليلي ومقارنتها بغيرها، ومدى تأثيرها، وتأثُّرها بالاتجاهات الأدبية التي برزت في السنوات الخمسين الماضية. ومنذ أربعة شهور وأنا أراجع المصادر اللازمة لهذا الفصل، وقد يستغرق البحث فيه أربعة شهور أخرى.

س: هلا تفضلتَ بالتحدُّث عن فحوى أطروحتك؟

ج: إن خدمات الخليلي البارزة في حقل القصة العراقية الحديثة حقيقةٌ تاريخيةٌ تتجلّى في قائمة المجموعات القصصية، وفي دراسته التاريخية عن القصة العراقية قديما وحديثاً، وفي تحليله للقصة العربية الحديثة مع تقييم لأساليبها وشخصياتها، وفي مختاراته لعدد من القصاصين العراقيين المعاصرين، وفوق ذلك كلِّه في إصداره جريدة "الهاتف"، ذلك العمل الجبار. وكان أملي أن أنجز بحثي في مكتبة الخليلي الخاصة في كرادة مريم ببغداد، وأن أتناول جميع معطيات الخليلي في مضمار القصة. ولكنني عندما انتقلتُ إلى الولايات المتحدة، أصبحتُ مضطراً إلى اتباع خطة أقل شمولاً، فاقتصرَ البحثُ على المواد التي يمكن الحصول عليها في الولايات المتحدة أو من المؤلّف نفسه بالمراسلة. وهو يستحقُّ كل ثناء وتقدير لمساعداته الكريمة لي. وهكذا تمركز البحث على المجموعات القصصية المنشورة ويبلغ عددها أحد عشر كتاباً. وقد تناولتها جميعها بالدرس والتقييم ما عدا قصة " التعساء" وهي باكورة أعمال الخليلي القصصية. ولقد قسمتُ الكتب العشرة الباقية طبقاً لفترتَين تاريخيتَين، إذ تقع خمس مجموعات منها في الفترة الأولى التي تمتد من ثورة العشرين العراقية حتى بداية الحرب العالمية الثانية. وتنتمي المجموعات الخمس الباقية إلى الفترة الثانية التي تبدأ باندلاع الحرب العالمية الثانية وتنتهي بقيام ثورة 14 تموز 1958.

س: ما هي أفضل قصص الخليلي في رأيه؟

ج: كان الخليلي ينظر إلى قصصه العديدة كأنّها " أولاده". ولهذا نستطيع أن نؤكِّد أن الأقاصيص التي نشرها في مجموعات هي أحسن ما أنتجه. ومع ذلك فإننا نجد بعض هذه القصص يتكرَّر في عدد من المجموعات. وفي ضوء ذلك يمكن أن نخلص إلى القول بأن الخليلي كان يستجيب بذلك إلى رغبة القراء واستحسانهم لتلك القصص بالذات، أو أنه يميل إلى تفضيلها. ويمكن أن نلاحظ في القصَّة التي يُعاد نشرها، بعضَ المراجعة ما يدلُّ على أن المؤلِّف كان في تجربة مستمرة لتطوير فنه، وأنه كان شغوفاً في العمل الأدبي الأصيل. إن غالبية القصص في كل مجموعة هي جديدة طبعاً، وتقدِّم للقارئ صوراً مؤثِّرة عن حياة العراق الاجتماعية بمُدنه وأريافه.

س: ما هي الحالة النفسية التي تعكسها قصص الخليلي؟

ج: لقد كانت قصص الخليلي هادفة دوما، ترمي إلى إثارة الشعور بضرورة الإصلاح الاجتماعي. وكانت نفسية الخليلي المتفائلة تطلُّ من بين سطور أقاصيصه وترتسم على وجوه أشخاصه.  ولعلَّ روح التفاؤل هذه أكثر ما تكون وضوحاً في قصَّتَيه الطويلتَين "الضائع" و " في قرى الجِّنِّ". وكانت الأولى قد كُتبت في أواخر العشرينيات، والثانية في أواسط وأواخر الأربعينيات، وهما يكشفان عن فرق ملحوظ من حيث الأسلوب والتقنيات، ولكنهما يشتركان في الروح التفاؤلية، إذ نجد نغمة أمل ورجاء تشيع في قصصه. ولا بدَّ أن تكون هذه الروح المتطلِّعة دوماً من مميزات أولئك الناس الذين كتب عنهم الخليلي.

س: هل تناولت أطروحتك جريدة " الهاتف"؟

ج:  يجب الإشادة بالدور الفعّال الذي لعبته جريدة " الهاتف" في تطوير القصَّة العراقية. فقد ترعرعت فيها أقلام قصاصي العراق. وكانت هذه الجريدة مضيِّفةً لعدد من قصاصي البلدان العربية المبرزين كذلك. هذا بالإضافة إلى ظهور سيل من القصص غير العربية المترجمة على صفحاتها. ويعترف جميع المنصفين بإنجازات " الهاتف" الرائدة وفضلها على تطوير القصة وتشجيعها وترويجها في العراق. ولا يوجد أدنى شك في أن " الهاتف" كانت خير تعبير عن حبِّ الخليلي للأدب وتفانيه في سبيل قضية الإنسان في العراق.

س: بالمناسبة، أتعرف لماذا سمّى الخليلي صحيفته بـ "الهاتف"؟

ج: لقد أسماها على اسم نجله " هاتف " الذي توفي قبيل إصدار الجريدة.

س: كانت الصحافة الغربية وما تزال أكثر العوامل تأثيراً في نمو القصة القصيرة وترويجها، فهل ينطبق ذلك على الصحافة العراقية؟

ج: إن الصحافة العراقية تشكّل أحد مفاتيح مخزون الثروة القصصية في العراق. ولكن معظم الصحف التي أسهمت في حقل القصة ماتت قبل الأوان، باستثناء " الهاتف". وأمسى من العسير تحديد الاتجاهات المختلفة التي سلكتها القصة العراقية في مراحل تطورها الأولى. وبالرغم من هذه الصعوبات، فإن الفصل الأول من أطروحتي استطاع رسم الخطوط العريضة للمشهد الأدبي في العراق في أوائل العشرينيات أبان قيام القصة الحديثة.

س: لقد حدد رائد القصة القصيرة في أمريكا، أدغار ألن بو، مفهومه للقصة القصيرة بدقّة، فهل فعل الخليلي ذلك7؟

ج: لقد ترك لنا الخليلي ملاحظاته الشخصية حول القصة بوصفها فناً من الفنون الأدبية في كتابه " القصة العراقية قديماً وحديثاً". كما نُشِرت آراؤه في القصة في مناسبات عديدة كالمقابلات الصحفية والتعليقات. وقد استفدتُ من كل ذلك لتكوين فكرة واضحة عن مفهوم القصة لدى الخليلي.

س: ما مدى التزام الخليلي بالمقاييس التي وضعها للقصة القصيرة الجيدة؟

ج: سيتكفل الفصل الخامس من الأطروحة بالإجابة عن هذا السؤال. وأنا لم انتهِ من كتابته بعد. ولكن يمكن القول بشكل عام إن الخليلي جاهد كثيراً في سبيل تطبيق المبادئ الفنية التي وضعها.

س: كيف تصف قصص الخليلي؟

ج: لقد سبق أن ذكرتُ شيئاً عن جدّية قصص الخليلي، وينبغي أن أضيف أن القاص العراقي غالباً ما يعمل وسط صعوبات ناتجة عن نظرة مجتمعه إلى القصة. لقد أشار الخليلي في مناسبات عدَّة إلى أنَّ العراقيين ظلّوا زمناً طويلاً وهم ينظرون إلى القصة كأنَّها مجرَّد تسلية لا تُقرأ إلا لتمضية الوقت. ولربَّما كان هذا الاعتقاد السائد سبباً في الجدّية التي تتَّسم بها قصص الخليلي؛ بالإضافة إلى أنها كانت تمثّل روح الفترة التي كُتبت فيها حين كان القصاصون العراقيون يستخدمون فنَّهم أولاً وقبل كل شيء للمساهمة في الإصلاح الاجتماعي. ولكن هذا لا ينفي تحلّي الخليلي بروح مرحة طالماً نشرت النكات الساخرة في العديد من قصصه. ومن سمات قصص الخليلي أن الكشف عن الشخصيات يتمُّ عبر سلسلة من الحوادث دون اللجوء إلى الحوار. أما عنصر الزمن فإنه يمثل نقطة انطلاق إلى أحداث جديدة. وهذه التقنية ـ في رأيي ـ تُضعِف وحدة الحركة الدرامية، أو على حد تعبير الأستاذ الخليلي نفسه، تعكس للقارئ شيئاً مشابهاً في طبيعته للشرائح أو الصور الثابتة، وليس الأفلام أو الصور المتحرِّكة. وإذا تركنا هذه الملاحظات العابرة جانباً، فإنَّ قصص الخليلي تُعتَبَر جريئة ونبيلة من حيث الأهداف الاجتماعية التي تتوخّاها، وذات نغمة عالمية من حيث معالجتها لمشاكل الحياة الواقعية؛ وهي فوق ذلك كلِّه تحتلُّ مكانةً هامة في تاريخ تطوُّر القصة العراقية الحديثة.

س: كيف تعزو عدم استحسان النقاد الغربيين للقصة العربية عموماً؟ أيرجع ذلك إلى الاختلاف في الذوق أم إلى تقييمهم للقصة العربية طبقاً لمقاييس فنية غربية؟

ج: أعتقد أننا يجب أن نميِّز بين المقاييس والذوق. قد يصحّ إخضاع القصة العربية الحديثة للمقاييس الفنّية الغربية. وهنا يشعر بعضُ النقاد الغربيين بأنَّ القصة العربية لم تصل مستوى مقبولاً لحدِّ الآن. ومع ذلك فإن آراء الناقد لا بُدَّ أن تتلوَّن بأذواقه الحضارية وميوله الشخصية، وليس من السهل عليه فصل المقاييس الموضوعية عن أذواقه الذاتية. وهكذا فغالباً ما يفشل الناقد الغربي في تحسُّس نقاط الجودة التي تتوافر في القصة العربية، لأنَّه يبحث عن هذه النقاط بمنظار حضارته. أنا شخصياً أودُّ أن أرى الأدباء العرب وهم يقيّمون القصة الغربية وينقدونها، لأنَّ هذا يدلّ على هضمهم للمقاييس الفنية الغربية من ناحية، ويلقي ضوءً على الفروق الحضارية، كما تعكسها الأعمال الأدبية من ناحية أخرى.

س: ماذا تنوي أن تفعل بأطروحتك بعد أن تقبلها اللجنة المشرفة في المناقشة؟

ج: سأقدِّم نسخة من أطروحتي للأستاذ الخليلي، خدمةً للأدب العراقي الذي ناضل من أجل إعلاء شأنه. ولكنك تعلم مدى صعوبة الحصول على ناشر في الولايات المتحدة لكتابٍ متخصِّص مثل أطروحتي.

س: أقترح أن تتصل بوزارة الثقافة العراقية فهي تُصدر سلسلة من الكتب الثقافية الأدبية باللغة الإنكليزية، وموضوع أطروحتك مناسب لأهداف هذه السلسلة، على ما أعلم.

ج: سأفعل ذلك.

س: ماذا تنوي أن تعمل بعد حصولك على الدكتوراه؟

ج: آمل أن أتولّى تدريس اللغة العربية في إحدى الجامعات الأمريكية، وأن تتاح لي الفرصة لترجمة خيرة القصص العراقية إلى اللغة الإنكليزية، وأن أزور بغداد، فكثيراً ما يشتدُّ بي الشوق والحنين إليها.

س:  وأنا كذلك، فإن شوقي لَأشدّ وحنيني لَأكبر8.

 

 علي القاسمي

آن آربر: جامعة مشيغان

صيف 1971

 .....................

هوامش

1-  Peter Abboud et al., Elementary Modern Standard Arabic, ( Ann Arbor: Michigan Univ. Press, 1968).

2- Peter Abboud et al, Modern Standard Arabic, Intermediate, (Ann Arabor : Michigan Univ. Press, 1972).

وصدرت لهذا الكتاب نشرة مُراجَعة سنة 2002.

3- Ali M. Cassimy & W. M. Frazier, Modern Iraqi Short Stories (Baghdad: Ministry of Culture, 1970).

4 - علي القاسمي، مختبر اللغة ( الكويت: دار القلم، 1970)

5 - جعفر الخليلي (1904ـ1985)، أديب وصحفي عراقي، أصدر جريدة "الراعي"، ثم مجلة " الهاتف" الأسبوعية التي استمرت من سنة 1935 إلى سنة 1954، وشجع فيها نشر القصص القصيرة التي يُعدُّ الخليلي من روّاد كتابتها.

 6 - ناقش الأب توماس هيمل Thomas Hamel     Father أطروحته عن جعفر الخليلي في جامعة ميشغان سنة 1972 ونال الدكتوراه. وشغل مناصب عليا في الكنيسة اليسوعية في أمريكا، وتوفي سنة 2013. ( هامش أُضيف مؤخراً)

7 - قد يوحي هذا السؤال بأن جعفر الخليلي هو رائد القصة القصيرة في العراق، ولكن المتفق عليه أنه من فرسانها الروّاد، وله فضل كبير في ترويجها وتطويرها من خلال صحيفته " الهاتف" التي دام صدورها قرابة عشرين عاماً. فقد نشر الناقد العراقي الكبير علي جواد الطاهر دراسة في مجلة " الآداب " البيروتية في عدد نيسان وعدد حزيران من سنة 1969 بعنوان " محمود أحمد السيد، رائد القصة الحديثة في العراق". وأصدرت دار الآداب كتابه الذي يحمل نفس العنوان، بعد ذلك. وقد تعزز هذا الرأي بأطروحة دكتوراه قدّمها لكلية الآداب في جامعة بغداد تلميذه الدكتور عبد الإله أحمد عنوانها " نشأة القصة وتطورها في العراق 1908ـ 1939".

8- يشكر محرِّرُ الحوار الدكتور صالح جواد الطعمة أستاذ الأدب العربي في جامعة أندياناـ بلومنغتون، لتكرّمه بقراءة الحوار وإبداء ملاحظاته عليه. 


    تعليقات (4)

    1.  

    شكرا الدكتور علي على هذا الاستجواب الوثيقة التاريخية والأدبية التي تدل على مدى حفظك للوثائق الهامة، الخاصة والعامة في نفس الوقت. هو استجواب يدل على اهتمامك المبكر بالقضايا التي تخص اللغة العربية والمهتمين بها، وبخاصة من الناطقين بغيرها، الأمريكيين هنا، وغيرهم. كما تدل على اهتماماتك الأدبية المبكرة كذلك، وبخاصة الجانب القصصي، الذي ستخصص له جزءا كبيرا من ابداعاتك الأدبية، وان امتدت الى الجانب الروائي، وغيرها من الاجناس الأدبية الأخرى، رغم التركيز على الدراسات اللغوية المختلفة.
    كما تشكف الأسئلة المطروحة على الباحث الأمريكي مدى تتبع الدكتور علي للجوانب الفنية للفن القصصي واطلاعه المبكر على بعض اعلامها الأمريكيين، الى جانب تركيزه على أحد رواد القصة القصيرة في العراق خلال النصف الاول من القرن العشرين، جعفر الخليلي، وتقديمه أدبيا ومفكرا وإعلاميا وجغرافيا... مما يدل على ارتباط صاحب الاستجواب، الدكتور علي، بتراث بلده الفكري والأدبي، وتثمينه لرواده وتقديره لهم، بما قدموه لبلدهم وللثقافة العربية. كما يفصح هذا الاستجواب عن اهتمام صاحبه بالمهتمين باللغة العربية وآدابها من الأجانب وتشجيعه لهم على ذلك. هو نوع من الانفتاح المبكر الذي جعل من الدكتور علي يهتم بالدراسات المقارنة، بوعي او بدونه، وبدفع الآخر للاطلاع على الثقافة العربية والاهتمام بها، مما يدل على مدى تقديره واعتداده بثقافته العربية وروادها، مثل جعفر الخليلي هنا موضوع اطروحة الباحث الأمريكي،د. هذا ودون أن نغفل اهتمامه بالثقافة الغربية الأنجلو أمريكية وأعلامها في الأدب والفكر واللغة والثقافة. ولعل هذا الاستجواب يشير الى اللبنات الأولى لبناء تفكير ومعارف الدكتور علي التي جمعت بين الثقافة العربية، المشبعة بالتراث الثقافي واللغوي العربي في العراقي، وبين الثقافة الأجنبية الأنجلو أمريكية في مجالاتها الأدبية واللغوية والفكرية.
    شكرا لك الأخ العزيز الدكتور علي على هذه الوثيقة التاريخ أدبية التي جمعت بين احد رواد الفن القصصي في العراق وبين احد الباحثين المعاصرين الأمريكيين في الأدب العراقي الحديث، وبين الباحث العراق الشاب، آنذاك، الذي ربط مبكرا بين ثقافة الشرق، العراق، وثقافة الغرب، أمريكا، في جوانبها الأدبية والفنية واللغوية والإنسانية.
    وسيبقى شوقك وحنينك للعراق دائما أشد وأكبر، بعد طول العمر والصحة ومواصلة البحث العلمي والابداع الأدبي الخلاقين.
    تحياتي

    أخي العزيز الناقد العربي الكبير الدكتور أحمد بوحسن،
    أشكرك جزيل الشكر على إطلالتك البهية على الحوار التي شرَّفتني وأسعدتني.
    وأنا واثق من أن ما تفضَّلتَ به من طيّب الكلمات، على الرغم من زحمة أعمالك وكثرة أشغالك إبداعاً ونقداً وترجمة، هو من باب التشجيع، وبدافع المودة، ونتيجةً لشغفك بالفكر في جميع ألوانه ومختلف دروبه.
    ولا يسعني إلا أن أعرب لك عن صادق مودتي وامتناني، وخالص متمنياتي لك بموفور الصحة والخير والهناء.
    محبكم: علي القاسمي

    1.  

    السلام عليكم عالمنا الفاضل.
    شكرًا جزيلًا لكم؛ لتكرمكم علينا بما تبدعون، وأنتم تقدمون ما طرزته ذاكرة الزمن في أذهانكم، فتسليطكم الضوء على الأديب العراقي جعفر الخليلي يظهر مدى تعلقكم بوطنكم واعتدادكم بما أنتج رواده من نتاجات أدبية أظهرت الوعي الكبير للحالة التي يعيشها المجتمع، ولاسيّما أن نتاجات الخليلي القصصية قد قدمت صورة حيّة للواقع الاجتماعيّ، حيث كان الاستجواب إلتفاتة ظريفة وأستجابة يقظة لإظهار هذا التعالق والإفصاح عن هذا الارتباط وعمله الفاعل في معالجة مشكلات اجتماعيّة كثيرة باسلوبٍ فنيّ وجميل ومؤثر في الوقت نفسه...
    حفظكم الله عالمنا الكريم ورعاكم.

    ابنتنا العزيزة الأستاذة المهذبة سهاد حسن
    يسعدني أولاً أن أزجي لكِ أخلص التهاني بمناقشة رسالتكِ للماستر في جامعة بغداد، ونيلها أرفع تقدير وأعلى درجة ممكنة، تثميناً لجهودك البحثية المثمرة، ولقدرتك على بسط المعلومات الهامَّة بأسلوبٍ مشرق سلس، وبلغة راقية بليغة. وأتمنى أن تواصلي الدراسة وحيازة الدكتوراه التي أنتِ أهلٌ لها.
    وأشكرك على تعليقك الكريم، واعتزازك بإبداع المرحوم جعفر الخليلي.
    وأتمنى لك ولأهلك الصحة والهناء والخير.
    علي القاسمي