أصدقاء الدكتور علي القاسمي

علي القاسمي: مؤشِّر الدول الفاشلة.. هل العراق دولة ضعيفة أو هشة؟!

شاهد المقال

 


علي القاسمي: مؤشِّر الدول الفاشلة.. هل العراق دولة ضعيفة أو هشة؟!

الدولة:

تُعرَّف (الدولة) بأنها مجموعة من الأفراد يعيشون في نطاق جغرافي محدَّد، ويمارسون نشاطهم في ظل نظام سياسي معيَّن.

وهذا النطاق الجغرافي تختلف مساحته من دولة إلى أخرى. فهناك دول ذات مساحة كبيرة وأخرى صغيرة. كما أن عدد السكان الذين يعيشون في تلك المساحة الجغرافية يختلف من دولة إلى أخرى. ففي حين نجد أن مساحة دولة روسيا تبلغ 17.1 مليون كيلومتراَ مربعا، وعدد سكان الصين يقارب مليار ونصف المليار نسمة، نجد أن مواطني دولة الفاتيكان لا يتجاوز 900 نسمة ومساحتها أقل من نصف كيلومتر مربع (0.44كم2).

فلقب "دولة" والاعتراف بها من بقية الدول، لا يخضع لمقاييس محددة في المساحة والسكان، بل لظروف تاريخية وأوضاع جيوسياسية. ومن ناحية أخرى، نجد أن للدول أنظمة سياسية متباينة. فمساحة الدولة، وعدد سكانها، ونوعية نظامها السياسي، ليست عوامل حاسمة في نجاح الدولة ولا في فشلها. فـ (الدولة) في هذا المصطلح هي مرادف لكلمة (بلاد) فقط.

ومع ذلك فإن مصطلح (دولة) يُطلَق على جميع الدول المذكورة على اختلاف مساحاتها، وتباين أعداد سكانها، وتنوع أنظمتها السياسية؛ لأن العناصر الجوهرية في مفهوم الدولة هي ثلاثة: المساحة الجغرافية، والسكان، والنظام السياسي مهما كان. وتمارس الدولة عادةً أنشطة سياسية واقتصادية واجتماعية ترمي إلى تحسين مستوى مواطنيها وتحقيق التنمية.

ولكل دولة عادةً سلطة أو حكومة تستخدم الموظفين العاملين فيها بالتعيين أو الانتخاب. وهذه الحكومة تسيطر قانوناً على استعمال القوات في أراضيها، وتسيطر على عملتها في حدودها، وتطبق قوانينها وتسيطر على الإعلام في أراضيها.

الدولة الفاشلة:

ظهر مفهوم (الدولة الفاشلة) في مجال العلاقات الدولية بعد الحرب الباردة في أواخر القرن الماضي.

ويتباين تعريف "الدولة الفاشلة"[1] من باحث إلى آخر طبقاً للزاوية التي ينظر منها، فإذا كان اهتمامه أمنياً عسكرياً، عرَّفَ "الدولة الفاشلة" بأنها تلك الدولة التي لا تسيطر على جميع أراضيها عسكرياً. أما إذا كان اهتمامه مالياً، فيعرّفها بأنها تلك الدولة التي لا تستطيع تسديد ديوانها وفوائد ديونها بانتظام. وإذا كان اهتمامه فكرياً، عرَّفها بأنها تلك الدولة التي لا تستطيع حل مشاكلها بنفسها بل تحتاج إلى تدخلٍ خارجي، حتى لو لم تطلب ذلك. وإذا كان اهتمامه منصباً على سيادة الدولة، يعرّف "الدولة الفاشلة"، بأنها تلك الدولة المنقوصة السيادة.  أما الباحث الدكتور سعد الكناني بأنها " الدولة العاجزة عن أداء وظائف التنمية وحماية أمنها وسيطرتها على أراضيها وحدودها."[2]

وأميل إلى تعريفها بتلك الدولة التي لا تستطيع القيام بواجباتها الأساسية في خدمة مواطنيها وتحقيق أهدافها الأساسية في تنمية البلاد مثل تعميم التعليم والصحة والبنيات التحتية، وتحقيق العدالة.[3]

ولكي تصل الدولة إلى مرحلة الفشل، تمرّ بعدة مراحل مثل (الدولة الضعيفة) و (الدولة الهشّة) اللتين تواجهان مخاطر أقل من تلك التي تواجهها الدولة الفاشلة. ولكن هذه الدول، الضعيفة والهشة والفاشلة، توصف دائماً بأنها " دولة"، لأنها لا تفقد المقوِّمات الأساسية للدولة بالكامل، وأعني بذلك: المساحة الجغرافية، والسكّان، والنظام السياسي المتبع مهما كان، على الرغم من مواجهتها مشاكل تعرّض وحدتها، واستقلالها، وبقاءها، للخطر.

أسباب فشل الدولة:

يمكن حصر أسباب فشل الدول بعنصرين أساسيين:

أسباب خارجية:

أـ الحروب الطويلة، التي تمتد إلى سنوات عديدة.

ب ـ التغيرات الاجتماعية، ومن أمثلتها، تحوّل مجموعة سكانية إلى قوة مهيمنة في البلاد، ثم إلى جماعة منبوذة. وهكذا.

أسباب داخلية:

أـ حكومة فاسدة تعمل لخدمة فئة صغيرة من السكان هي الطبقة الحاكمة أو طائفة معينة، أو منطقة محددة من البلاد، بدلاً من خدمة الشعب برمته.

ب ـ الحروب الأهلية أو النزاعات الداخلية، طائفية أو عرقية أو عشائرية.

خصائص الدولة الفاشلة:

يمكن تلخيص خصائص الدولة الفاشلة فيما يأتي:

قابليتها المتناقصة للدفاع عن حدودها الوطنية، وفقدان السيطرة على أراضيها، أو على بعض أراضيها.

قابليتها المتناقصة على حفظ الأمن في البلاد، وفقدان سلطتها احتكارَ استخدام العنف في جميع الأراضي التي تحكمها.

فقدان السلطة لشرعية اتخاذ القرارات العامة وتنفيذها.

عجز السلطة عن توفير الحدِّ المعقول من الخدمات العامة.

وباختصار، فإن الدولة الفاشلة تتميز بوجود حكومة غير فعّالة لا تقوم بجميع واجباتها بصورة ناجعة نافعة.

وقد لوحظ أن الدولة الفاشلة لا تختفي بين ليلة وضحاها، بل قد تستمر في الوجود طويلاً، وأحياناً لأجيال عديدة (مدة الجيل عادة بين 25 و30 سنة).

مؤشِّر الدول الفاشلة:

تصدر الأمم المتحدة ومنظماتها المختصة ومؤسسات دولية أخرى، مؤشِّرات معظمها سنوية لجميع الدول الأعضاء تتعلّق بمختلف الخدمات التي ينبغي أن تقوم به الحكومات لفائدة شعوبها، مثل مؤشر التنمية البشرية، مؤشر الفقر، مؤشر التعليم، إلخ.

وقد وضع الصندوق لأجل السلام[4] ومجلة السياسة الخارجية [5] في الولايات المتحدة الأمريكية (مؤشرَ الدول الفاشلة) السنوي منذ سنة 2005، وقد أطلقا عليه مؤخراً اسم ( مؤشر الدول الهشَّة)، وهي تسمية دبلوماسية، إن صح التعبير. ويصنّف هذا المؤشرُ الدولَ ذات السيادة في الأمم المتحدة والتي تتوافر معلومات عنها، إلى أصناف، ويحصر الفشل في أربعة أنواع:

ـ تنبيه،

ـ تحذير،

ـ فشل معتدل،

ـ فشل مستدام.

ويعطي كلَّ دولةٍ علامةً (او درجة) تتراوح بين 0 و 120. وكلما ارتفعت علامة الدولة، أصبح فشلها أكبر. وعادة ما تكون الدول الهشة (الفاشلة) هي الأكثر تخلفاً في ميدان التنمية البشرية، ويطلق عليها اسم دول ذات تنمية بشرية متدنية.

وفي مؤشر الدول الهشَّة (الفاشلة) لسنة 2015، نجد أن مؤشر اليمن، مثلاً، وهو الأعلى رتبة في الفشل هو: 111.7، في حين أن مؤشر فنلندا، وهي الأقل في الفشل: 15.1 فقط.  وصنَّف المؤشر قائمة الأمم المتحدة التي تشتمل على 177 دولة توافرت معلومات عنها على الوجه التالي:

33 دولة في حالة إنذار، وهي أسوأ هشاشة،

92 دولة في حالة تحذير،

39 دولة في حالة اعتدال،

13 دولة في حالة مقبولة.

فإذا أخذنا الصومال مثلاً للدول الهشة، نجد أن هذا البلد الذي يؤوي 15 مليون نسمة قد تعرَّض لأزمات جفاف منذ سنة 2011، ولحرب متواصلة بين القوات الحكومية وحركة الشباب تسببت في نزوح 2.9 مليون نسمة.

ويُعدُّ هذا المؤشِّر وسيلة نقدية، ليس لمعرفة الضغوط التي تتعرَّض لها الدول فحسب، بل

كذلك لمعرفة الأوقات التي تدفع فيها هذه الضغوط تلك الدول إلى حافة الفشل.

معايير مؤشِّر الفشل:

اعتمد مؤشر الفشل على عدة معايير أهمها:

أـ المؤشرات الاجتماعية:

1ـ الضغوط السكانية

2ـ حركة اللاجئين والمشردين

3ـ الانتقام (مثل الانتقامات العشائرية).

4ـ هجرة الأدمغة

ب ـ المؤشرات الاقتصادية:

5ـ التنمية الاقتصادية

6ـ التدهور الاقتصادي

ج ـ المؤشرات السياسية:

7ـ نزع الشرعية عن الدولة

8ـ التدهور التدريجي للخدمات

9ـ الانتهاك الواسع لحقوق الإنسان

10 ـ الأجهزة الأمنية بمثابة دولة داخل دولة

11ـ صعود النخب المنقسمة

12 تدخل الدول الأجنبية في الدولة.

هل العراق دولة ضعيفة أو هشّة أو فاشلة؟

فإذا أخذنا أشهر الدول الفاشلة التي يذكرها هذا المؤشر، وهي:

أفغانستان، والعراق، وسوريا، وليبيا، واليمن، والسودان؛ والصومال وجنوب السودان، نجد أنها خاضت حروباً طويلة: إقليمية، أو أهلية، وأدَّت تلك الحروب إلى تغيّرات اجتماعية ملحوظة بسبب موجات النزوح والهجرة التي رافقت تلك الحروب أو نتجت عنها.

وإذا استطعنا أن نجد عذراً لفشل أفغانستان، لكونها تعرضت لمحاولاتٍ متواصلة لاستعمارها من قبل الدول الكبرى كبريطانيا والاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، فإن حالة دولة العراق الذي يُعد الآن أشهر الدول الفاشلة، تحتاج إلى تدقيق النظر.

فمنذ الانقلاب العسكري الذي قضى على النظام الملكي في 14 تموز/ يوليوز سنة 1958 برضى ودعم من الأحزاب العراقية، العلنية والسرية منها، اليسارية واليمينة (ويتساءل المرء: كيف يؤيد حزب سياسي مدني مشروع انقلاب عسكري، إلا إذا كان رؤساؤه متعطشين للسلطة وقد وعدهم العسكر بوزارة في الحكومة الانقلابية العسكرية؟!)  وما أعقبه من انقلابات عسكرية متتالية، وما تعرض له العراق من  حكم شمولي دام 35 عاماً تحت حكم دكتاتور جاهل دموي مولع بالقتل الجماعي، والمقابر الجماعية، وخوض الحروب الطويلة والقصيرة، وانتهى بغزو امريكي ـ بريطاني سنة 2003، نتج عنه وصول شرذمة من شخصيات معارضة " على دبابات الغزاة" وبمساندة إيران، ليحكموا البلاد بدعمٍ من المُستعمِر الجديد الذي وضع لهم "نظاماً"  يقوم على المحاصصة الطائفية والعرقية يؤدي إلى تعميق الخلافات وتفتيت البلاد، وإطلاق يد الحكّام الجدد في نهب ثروات البلاد، وتحويل مليارات الدولارات شهرياً إلى حساباتهم الشخصية في بنوك الدول الغربية التي يحملون جنسياتها. فكل نظام سياسي يقوم على المحاصصة، مآلهُ، لا محالة، إلى الفشل الذريع. وهذا ما يفعله المُستعمر دوماً انطلاقاً من مبدأ " فرِّق تَسُد"، وما فشل الدولة اللبنانية إلا مثل على الدول التي يقوم نظامها السياسي على المحاصصة الطائفية، وهو نظام فرضه المُستعمِر الفرنسي على لبنان، عن دراية وقصد.

وخصائص السلطة الحاكمة بالعراق بعد الغزو الأمريكي عجيبة غريبة، ومن أهمها:

ـ المحاصصة العرقية الطائفية:

على الرغم من أن دستور العراق الذي وضع بإشراف المستعمر وتوجيهاته، واعلن سنة  2005، لا ينص على المحاصصة، فإن المحاصصة موجودة فعلاً وباتفاق جميع  الفاعلين السياسيين. فرئاسة الجمهورية رست على أكراد (السليمانية)، ورئاسة إقليم كرادستان العراق، أختص بها أكراد أربيل، ورئاسة الوزارة للعرب الشيعة، ورئاسة مجلس النواب الاتحادي في بغداد للعرب السنة، وهكذا.  وإذا دخلتَ في إحدى السفارات العراقية ووجدت السفير كردياً من أربيل، والقنصل كرديا من السليمانية، فاعلم أن وزارة الخارجية العراقية هي من حصة الأكراد، وهكذا دواليك.

ـ الفساد المستشري في مفاصل الدولة:

لقد أمسى الفساد تقليدا مرعياً وثقافة راسخة في الإدارة العراقية. فإذا كانت إحدى المديريات العامة في وزارة من الوزارات هي من حصة حزب معين، فإن المدير العام الجديد يؤدي سراً قسَم الإخلاص لرئيس الحزب الذي اختاره أو لمندوبه، كما يؤدي ثمناً لقاء المنصب قبل التعيين أو بعد التعيين شهرياً أو سنوياً. وقد شاهدتُ ذات مرة فيديواً مسرّباً لأحد وزراء الكهرباء المتعاقبين (ووزارة الكهرباء هي البقرة الحلوب الكبرى للفاسدين، فالعراق منذ أكثر من نصف قرن لم ينعم أهله بالكهرباء) وهو يؤدي قسم الإخلاص لمندوب رئيس حزبه. وبعبارة مختصرة، فإن المناصب العليا تُباع وتشترى، كما كانت في أواخر الدولة العثمانية.

والفساد على نوعين:

ـ النوع غير المقنن عن طريق نهب وسرقة واختلاس أموال الشعب بطرق غير مشروعة.

ـ النوع المقنن، عن طريق إصدار قانون أو مرسوم متَّفق عليه بين قادة الأحزاب الحاكمة دوماً يحدّد رواتب الوظائف العليا أو أعضاء البرلمان بأجور خيالية. فمثلاً يستحق النائب 32 راتباً إضافياً لحراس شخصيين يختارهم بحريته من أقاربه أو من غيرهم. ولم يأتِ هذا الرقم 32 اعتباطاً، بل بالاعتماد على عدد رجال الحماية التي كان يسهر على حماية الرئيس وكل فرد من أفراد أسرته وكبار مساعديه في فترة الحكم الشمولي.

ولتوضيح هذا النوع المقنن من الفساد الذي ينبغي أن يُدرَّس في معاهد الإدارة والقانون بوصفه من ابتكار المستعمر الأمريكي ورجال المحاصصة في حكم العراق. نضرب مثلاً في الراتب السنوي لبعض أصحاب المناصب العليا في العراق بعد 2003 (لأن قبل ذلك لا توجد رواتب محددة لرئيس الجمهورية وأفراد عائلته وعشيرته):

ـ رئيس الجمهورية: حوالي  65000 دولار شهريا، ما عدا مخصصات الامتيازات، علماً بأن رئيس الجمهورية منصب شرفي، وله نائبان، يتقاضيان راتباً مقارباً لراتبه. (راتب الرئيس الأمريكي المعاصر أوباما آنذاك :

ـ رئيس مجلس النواب: 44000 دولار شهرياً.

ـ الوزير 28000 دولار شهرياً.

ـ أما الراتب التقاعدي للياور، رئيس الجمهورية الأول بعد الاحتلال الأمريكي فيبلغ  حولي 51 ألف دولار شهريا. ومجموع الرواتب التقاعدية التي تقاضاها حتى سنة 2019 تبلغ  قرابة عشرة ملايين دولار.[6]

وهذه الرواتب لا مثيل لها في الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا وبريطانيا. وليس في بلد مثل العراق يعيش ما يقرب من 50 بالمئة من شعبه تحت خط الفقر المدقع. فإذا قارنا مثلاً راتب رئيس أقليم كردستان العراق (وهو 400 ألف دولار شهرياً)، براتب  معاصريه من رؤساء الدول الكبرى الغنية، مثل الرئيس الأمريكي أوباما مع المخصصات الإضافية ( وهو 37 ألف دولار شهرياً) وبراتب الرئيس الفرنسي ساركوزي (وهو 24 ألف يورو/دولار)، وبراتب السيدة ميركل المستشارة الألمانية (وهو  23 ألف يورو/ دولار) يتضح لنا الفساد في العراق. فهذه الرواتب المبالغ فيها هي نوع من الفساد المقنن المتفق عليه بين حكام المحاصصة.

ولكن هذه الرواتب الخيالية لا تعدّ شيئاً ذي بال إزاء الامتيازات الخارقة لزعماء العراق الفقير. ولعل حالة جلال الطالباني (1933ـ2017) رئيس جمهورية العراق الراحل مثلاً واضحاً على ذلك. فقد أنتُخبه "مجلس النواب" مرتين لرئاسة الجمهورية أمضى معظم المدة الرئاسية في مستشفيات خاصة في الأردن والولايات المتحدة وألمانيا (آخرها في مستشفى ألماني رفيع المستوى مدة سنة ونصف متواصلة) على حساب العراق طبعاً، وقبيل وفاته في ألمانيا، أعلنت رئاسة الجمهورية على موقعها ان الطالباني الذي سيصل مدينة السليمانية في إقليم كردستان العراق سيؤدي " بكل المسؤولية المعروفة عنه مهامه وعمله رئيساً لجمهورية العراق". ولكن جثمانه  ـ مع الأسف ـ هو الذي وصل من المانيا بعد أن أمضى سنة ونصف في مستشفى الماني رفيع  على حساب العراق. وفي تشييعه رفض أهله وأنصاره لف جثمانه بالعلم العراقي الذي هو رئيسه، وإنما بالعلم الكردي، وكتبا شاهدة القبر باللغة الكردية، علماً بأن الناطقين بكردية السليمانية والناطقين بكردية أربيل لا يتفاهمان إلا بلغة العراق العربية. وكانت عقيلة الرئيس الطالباني قد تبرعت بخمسة ملايين جنيه إسترليني لجامعة بريطانية لتدريس اللغة الكردية فيها (طبعا لهجة السليمانية).

ـ المليشيات المقدسة:

كان المستعمر البريطاني يطلق على الهند لقب " أرض البقرة المقدّسة"، لأن البقرة مقدَّسة لدى الهندوس الذين يشكِّلون الأغلبية في الهند، فالبقرة تسير في الطرقات والأسواق وتأكل ما تريد من خضروات معروضة للبيع دون أن يستطيع أحد أن يعترضها أو يمنعها. فهي مقدسة.  وبالمثل يسمّي بعضهم  العراق " أرض المليشيات المقدّسة". والسبب في ذلك أنه توجد في العراق 32 ميليشيا (وهذا رقم قياسي عالمي)، منذ سنة 2014 (وبعضها القليل قد نشأ قبل ذلك التاريخ.). وتسمية بعضهم هذه المليشيات ب "المقدسة" نابعة من كون كثير من هذه المليشيات يرأسها رجال دين من حوزة النجف، وهم يرتدون ملابسهم الدينية بعمائمهم البيضاء أو السوداء، وليست أزياء عسكرية، فهم لم يدرسوا في أية مدرسة عسكرية، تماماً مثل معظم أفراد عائلة الرئيس صدام الذين حملوا رتب عسكرية رفيعة، مثل فريق وعميد ركن، إلخ. دون أن يدرسوا في أية كلية عسكرية أو مدنية.

وكثير من هذه المليشيات أنشأتها أو تموّلها إيران، وتأتمر بأوامرها. وهذه سياسة استعمارية فارسية مارستها إيران منذ زمن الإمبراطورية الفارسية الثانية (220ـ651م)، فكان الفرس الساسانيون يستعملون العرب المناذرة بالحيرة في العراق لحرب أعدائهم الرومان الذين كانوا يستعملون العرب الغساسنة في الشام لذلك الغرض.[7]  ومن الممكن أن نطلق على هذه الحروب بين العرب المناذرة والعرب الغساسنة اسم " حروب بالوكالة"، حتى جاء الإسلام في أوائل القرن السابع الميلادي ووحدهما تحت رايته.

وإذا وُجدت مليشيا واحدة في إحدى الدول فاعلم أنها دولة ضعيفة هشة فاشلة، لأن جيش الحكومة فيها لا يسيطر على جميع أراضيها، وأن الصدام بين الجيش وإحدى تلك المليشيات المتعددة أو بين المليشيات نفسها محتمل جداً، كما هو الحال في السودان حاليا. فالحرب دائرة بين الجيش السوداني وميليشيا " الدعم السريع" اللذين نشبت بينهما قبل أكثر من أربعة أشهر، ويروح ضحيتها يوميا مواطنون سودانيون، وبلغ النازحون والمهجرون من الشعب السوداني حتى الآن حوالي أربعة ملايين مواطن إضافة إلى القتلى والجرحى. فما بالك في بلد واحد توجد فيه 32 ميليشيا (الله يكون في عونه!).

هل يطالب الشعب العراقي بحقوقه؟

إذا أردت أن تسرق شعباً فعليك تجهيله أولاً. وهذا ما دأبت على فعله الحكومات العسكرية أو شبه العسكرية منذ إسقاط الملكية سنة 1958، فليس بناء المدارس والمستشفيات من أولوياتها مطلقاً. وفي زمن المحاصصة الطائفية والعرقية، دأبت الحكومات المتعاقبة على الإمعان في التجهيل بشتى الوسائل، مثل إدخال طقوس تجهيلية في زيارة العتبات المقدسة بالعراق. فتجد من الزوار مَن يتمرغل في الوحل والأوساخ. ولا ينهاه أحد من رجال الدين من أصحاب الميليشيات الذين درسوا الفقه وأول أبوابه، باب الطهارة، ناهيك بالتطبير في عاشوراء الذي حرّمه كبار المراجع الدينية الشيعية منذ بداية القرن العشرين الميلادي مثل  السيد الشهرستاني والسيد أبو الحسن ( الذي ذبحوا أبنه حينما كان يصلي خلفه عقابا له على موافقته على تحريم التطبير).

ومع كل ذلك التجهيل المريع، فإن الشعب العراقي شعب أبيُّ كريم، لا يرضى بالضيم، فواصل الخروج بالمظاهرات التي تطالب بـما يلي:

ـ محاربة الفساد،

ـ توفير العمل للعاطلين.

ـ تحسين الخدمات

ـ إنهاء الفساد.

وكانت الحكومات المتعاقبة منذ سنة 2005 تقابل تلك المظاهرات السلمية بالغاز المسيل للدموع، وبالرصاص الحي. وقد أدت هذه الممارسات القمعية الهمجية إلى مقتل 740 مواطناً وجرح 17 ألف مواطن آخر في بغداد وبقية المحافظات، إضافة الى المخطوفين. وفي كل مرة يصدر بيان من وزارة الداخلية في بغداد يزعم أن مندسّين أطلقوا النار على المتظاهرين (ويتساءل المرء: ما هي وظيفة رجال الأمن؟ أليس قبل كل شيء حماية المواطنين من المندسين؟!)[8]

وأخيرا يتساءل المرء: كيف الخلاص، وقد قلنا إن الدولة الهشة قد تستمر عدة أجيال؟

ما هو الحل؟

لا يكمن الحل في توافق الفاسدين المفسدين على الإصلاح، فهذا كمن يتطلبُ في الماء جذوةَ نار. يكمن الحل في الرجل الوطني الغيور الذي يقوم بعملية الإصلاح. تحضرني حكاية عن لي كوان يو ( 1923 ـ 2015) الذي كان شاباً لا يتجاوز عمره خمسة وثلاثين عاماً عندما تولى رئاسة وزراء سنغافورة بعد استقلالها في مطلع الستينيات؛ وكانت أفقر دولة في آسيا، مجرد مدينة بلا موارد، فحوّلها إلى دولة راقية ذات اقتصاد رفيع، ترتيبها في سلم التنمية البشرية العالمي اليوم هو الخامس بين 189 دولة.  ولهذا فهو يُلقَّب بالرئيس المعلّم الذي حوَّل التراب إلى ذهب.

يقول الرئيس لي كوان يو:

" إلى أي درجة كانت سنغافورة الستينيات تعيسة بائسة: فقر ومرض وفساد وجريمة. بيعت مناصب الدولة لمن يدفع، خطف رجال الشرطة الصغيرات لدعارة الأجانب، وقاسموا اللصوص والمومسات فيما يجمعون. أحتكر قادة الجيش الأراضي والرز، وباع القضاة أحكامهم. قال الجميع: الإصلاح مستحيل.

لكنني توجَّهتُ إلى المعلمين الذين كانوا في بؤس ويزدريهم الجميع، ومنحتُهم أعلى الأجور وقلت لهم: أنا أبني لكم أجهزة الدولة، وأنتم تبنون لي الإنسان."

سأل أحد الصحفيين لي كوان يو : ما هو الفرق بين سنغافورة ودول العالم الثالث الآسيوية؟؟

فأجاب:

" الفرق هو أننا نبني المدارس والمكتبات ودور البحث العلمي وهم يبنون المعابد. نحن ننفق موارد الدولة على التعليم، وهم ينفقونها على السلاح. نحن نحارب الفساد من قمة الهرم، وهم يمسكون اللصوص الصغار ولا يقتربون من المفسدين الكبار. "

وعندما أثنوا على لي كوان يو، بوصفه صانع المعجزة في سنغافورة، قال بكل تواضع:

ـ أنا فقط قمتُ بواجبي نحو وطني، فخصصتُ موارد الدولة للتعليم وغيرتُ مكانة المعلمين من طبقة بائسة إلى أرقى طبقة في سنغافورة، والمعلم هو مَن صنع المعجزة، هو من أنتج جيلاً متواضعاً يحب العلم والأخلاق، بعد أن كنا شعباً يبصق ويشتم بعضه بعضاً في الشوارع."

***

الدكتور علي القاسمي

..........................

[1] Failed State/ Etat defiant

[2] سعد  الكناني، "العراق بعد 2003، الدولة الفاشلة" في الحوار المتمدن، عدد 7619 بتاريخ 22/5/2023.

[3] علي القاسمي. الجامعة والتنمية (الرباط: المعرفة للجمع، 2001) ص 29

[4] Peace Fund  (PFF).

[5] Foreign Policy

[6]  صلاح خسن بابان. أرقام فلكية تستنزف ميزانية العراق في الرابط:

https://www.aljazeera.net/politics/2020/9/29/%D8%A3%D8%B1%D9%82%D8%A7%D9%85-%D9%81%D9%84%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%81-%D8%B9%D9%84%D9%89-لام

[7] عبد الهادي محيسن. مملكتا المناذرة في الحيرة والغساسنة في الشام . مجلة الشراع 30 أيار، 2021.

[8] www.aljazeeera.net/politics/2002

تعليقات (2)
تحياتي للاستاذ العلامة القاسمي المحترم

دمت قدوة في الدراسة والتحليل العلمي المنير

مع الود والتقدير
شكراً سيدي الطبيب الأديب المفكر الدكتور صادق السامرائي حفظك الله ورعاك على تشجيعك المتواصل ومحبتك الخالصة.
محبكم: علي القاسمي               

لماذا أكتب؟!

شاهد المقال

 

علي القاسمي: لماذا أكتب؟!

    د. علي القاسمي 

    نشر بتاريخ: 27 آذار/مارس 2023 

نقلا عن صحيفة المثقف 

في تلك الليلة لم يستطِع سليم النوم، فقد داهمته رغبة الكتابة:


لا تسأليني، يا أثيرة، كيف أكتب؛ وهل يُسأَل الزهر كيف يعبق شذاه؟ وهل يُسأَل الطير عن طيرانه؟ إنّه يجد جناحيه يرفرفان بعد أن ينبت لهما ريش. وأنا ألفيتُ نفسي أكتب ذاتَ يومٍ دون أن أعرف السبب.


كنتُ كلّما تحدَّثتُ معكِ، يا أثيرة، تبرعمتْ في روحي رغبةُ الكتابة مثل زهرةٍ ربيعيَّة، وتموسقتْ في مسمعي كلماتٌ لم تُنطَق من قبل، وحلّق في فكري الشوق، مثل سُنونوة مهاجرة في فصلِ الربيع، لعناق القلم. حتّى لو كنتِ صامتةً مطرقةً أثناء لقائنا، كنتِ تفجِّرين فيَّ تلك الرغبة الجامحة في الكتابة مثل ينبوعٍ جبليٍّ. كانت حاجتي إليكِ حاجةَ المزمارِ للهواء، وحاجةَ النغمِ للوتر.


يقولون إنَّ الكتابة كالحبيب المتسلِّط الغيور الذي يدمِّر كلّ مَن سواه وما عداه. ولكنَّ الكتابة عندي وصيفةٌ مسخَّرةٌ لإرادتكِ، وفيَّةٌ لذكراكِ. تأتي بعد ابتسامةٍ منكِ، فتحمل صورتكِ إلى ناظري، وتُجري حروفَ اسمكِ على قلمي. الكتابة منكِ ولأجلكِ، ولم تكُن غريمتكِ أبداً. أستسلم لهاجسِ الكتابة الذي يداهمني وأنا مخدّر معدوم الإرادة كأنَّني أستسلم لهمساتكِ، للمساتكِ، لسحركِ أنتِ. يداهمني هذا الهاجس المستبدُّ كيفما شاء وحيثما شاء؛ طوراً بعد منتصفِ الليل فيسلبني النوم، وطوراً وأنا في رفقة الآخرين فيحرمني صحبتهم. إنَّه كالقدر لا يُرَدُّ، وكالطُّوفان لا يقف في وجهه سدُّ.


لم أَكُن أنشر ما كنتُ أكتب. لا جدوى من ذلك. في وطني كنتُ أكتب في فتوتي لكي يقرأني أهلي وأصدقائي ومعارفي، فأشعر بالفخر. أَمّا في الغربة، فأَنا أَلجأُ إلى الكتابة عندما يُمسي عالمي حزيناً يستحيل العيش فيه. فأكتب لكي أعيد تشكيل العالم حولي بقوَّة القلم. يُسكرني حفيفُ الحرف فألوذ بالخيال وأحتفي بحياةٍ لا علاقةَ لها بالواقع. قلمي كان معولي أقطع به الأسوار، أهدّها، أهدمها، لأنطلق في الفضاء الرحب. ولكن لا داعي لنشر ما أكتب. لماذا أنشر في الغربة؟ لا أستطيع أن أُطلعك على بَوحي. ولا يعرفني أحد من القراء في بلدكِ. فأنا مجرَّد غريبٍ عابر أو ضيفٍ مسافر. وما يُكتَب في قطرٍ عربيٍّ لا يصل إلى الأقطار الأخرى إلا لماماً، تصدُّه الحدود والقيود مثل سلعةٍ مهرّبة، مثل بضاعةٍ محرّمة، مثل عارِ ينبغي طمسه.


بعدما غادرتُ وطني، لم أكُن أكتب للنشر، بل لكي أكسر الطوق من حولي، وأخرج من عزلتي، وأتواصل مع الذين بعدوا عني أو بعدتُ عنهم، ولكنَّهم مكثوا في وريدي. أكتب في محاولةٍ يائسةٍ لأعيد بكلماتي الواهية عالماً خلّفته ورائي؛ أكتب لعلَّني بحروفي العليلة أستطيع أن أعيد بناء وطنٍ فقدتُه بحماقة وجُبن؛ أكتب كي أقترب من نفسي، أغوص في أعماقها، أُحسُّ بوجودي، أَتنفَّس نسيم الأفكار حولي؛ أكتب كيما أبني بحروفي الرهيفة خميلةً وارفةً احتمي بظلالها من هجير الغربة وعَسْف الترحال الدائم... ليس المهم أن يقرأني الآخرون، فمتعتي الحقيقيَّة تكمن في فعل الكتابة ذاته. ففي الكتابة تكتسب الأشياءُ حولي بُعداً رابعاً، وينضاف إلى كياني حسٌّ سادسٌ، فأصوغ نفسي من جديد، وأشكِّل عيني ولساني ومن خلالهما أشكِّل العالَم من حولي؛ أُبدع عالماً جديداً ألوذ به، أداري فيه خيبتي، وأعوّض عن عجزي تجاهكِ. في الكتابة أتخلَّص من سجني ومنفاي، فأستعيد حرِّيَّتي وأمارس إنسانيَّتي. ولكنَّ كثيراً ما يشنقني الحرف وترجمني الكلمات.


تحلّق كلماتي بلا أجنحة في فضاء الحُلم، تخترق غيوم َالأعالي، تستحمُّ في مياه الأمطار قبل أن تولد، تغسل عن ريشها غبار الدلالات البالية، تقترب من النجوم فتتجمل ببريقها، ثمَّ تحطُّ على القمر بكامل زينتها لتغفو على تخومه. ويبقى الأمل يراودني أنَّني بعد رحيلي الوشيك من هذا العالم ستعود كلماتي هابطةً من القمر إليه، نابضةً بالحياة، لتمارس عملية الخلق بعد أن كانت مخلوقة.


يهطلُ الألمُ غزيراً في فيافي القلب، حتّى تفيض به جميع أنحائه، وترتفع درجةُ حرارةِ الضياع في أعماق الروح، فأحاول أن أُسطِّرَ الألمَ على الورق، وأبثَّ الحُمّى بين السطور، في محاولةٍ لإرقاءِ النزيف الداخلي وتخفيض سخونة الأحاسيس. أحفر قبراً لحروفي وكلماتي، ألحدها فيه حتّى يعثر قارئٌ مجهولٌ عليها يوماً ما فيبعثها حيَّةً من مرقدها، وقد تغيَّرتْ ألوانُ سحنتها على شفتَيه، وتبدَّل رنينها على مسمعيه.


عندما كنا نلتقي في اليوم التالي، كنت تنظرين إلى عينَيَّ وتقولين: " دكتور سليم، لا شك في أنَّك أمضيتَ سهرةً مثيرة، فآثارها في عينَيكَ المُحمرَّتَين." فأعتصم بالصمت. ثمَّ يثير صمتي شكوككِ فتسألين: " مع مَن أمضيتَ السهرة؟" فأجيب وابتسامةٌ ساخرةٌ على شفتَيّ: " معك، يا أثيرة.". ويظهر شبحُ ابتسامةٍ على شفتَيكِ، ابتسامة يجهضها الحزن في عينيكِ، والقنوط في خديك. كنتِ لا تجودين بأكثر من ابتسامة في أحسن الأحوال. كنتِ تتجنبين الضحك، تهابينه، تمجينه، لا أدري، ولكن لم أَحظَ يوماً منكِ برنينِ ضحكةٍ تنطلق من رئتَين واسعتَين أو من حنجرةٍ صافية، كأنَّكِ والضحك في خصام. ولكن لماذا ألومك على ذلك في حين أنا نفسي لم أَكُن قادراً على الضحك منذ أن فارقتُ بلدي، وأمسيتُ أعجب ممَّن يستطيع أن يضحك، وأتساءَل في نفسي: " يا تُرى ما الذي أضحكه؟". لم أَنتبه إلى أنّني كنت عاجزاً عن قول شيءٍ مضحكٍ لكِ، وعاجزاً عن الضحك لو سمعتُ ما يُضحِك. فقد خبرت الضحك عندما كنت صغيراً. كنا نحن الأطفال في القرية نضحك من أعماقنا لأتفه الأسباب، نضحك بصوتٍ عالٍ يشيع الفرحة في الفضاء حولنا، وتزدهي الألوان، وتغرِّد العصافير.*


***


الدكتور علي القاسمي


...........................


* الفصلة د89 من الرواية:


- علي القاسمي. مرافئ الحب السبعة، ط4 (الرباط/ الدار البيضاء: دار الأمان/ دار الثقافة، 1444/2023) بمناسبة صدور طبعة جديدة منها. والرواية متوافرة في موقع "أصدقاء الدكتور علي القاسمي" على الشابكة.


تعليقات (19)


تعليقات (19)

جمعة عبدالله

جمعة عبدالله

about 1 week ago

#171107

الاديب العلامة الاستاذ علي القاسمي

مهنة الكتابة ( السهل الممتنع ) هي معضلة في حد ذاتها , وبدون شك عند الاديب الجاد والرصين , ليس الكتابة هي لعبة مسلية وجميلة , وانما هي ارهاصات ومعاناة , بل هي وجع وتنفيس عن المكنون الداخلي , الذي يمور بالحمى داخل الضلوع , وكيف يستطيع ان يسيطر على النزيف الداخلي , المتراكم في داخل الذات والذي له صميم العلاقة المباشرة مع العام . هي عملية معقدة , خروج الهموم والهواجس والارق الداخلي الى الخارج , بشكل حروف وكلمات وسطور , ان يخرج القيح الداخلي ليتخلص من سجنه داخل الضلوع , كأن في الكتابة يمارس حريته وانسانيته , لكي يطلق او يحلق في كتاباته في الافاق العالية , يخترق الغيوم والرعود والبروق . بالكتابة يمارس حريته ويطلق اجنحة الحلم والامل , يدونها على الورق , ليتخلص من هاجس الارق والقلق ( أستسلم لهاجسِ الكتابة الذي يداهمني وأنا مخدّر معدوم الإرادة كأنَّني أستسلم لهمساتكِ، للمساتكِ، لسحركِ أنتِ. يداهمني هذا الهاجس المستبدُّ كيفما شاء وحيثما شاء؛ طوراً بعد منتصفِ الليل فيسلبني النوم، وطوراً وأنا في رفقة الآخرين فيحرمني صحبتهم. إنَّه كالقدر لا يُرَدُّ، وكالطُّوفان لا يقف في وجهه سدُّ.) هذا هو الوجع الداخلي في المنفى , وهو تنفيس عن ما يحمل من ثقل داخلي يحمله في ديار الغربة والترحال. مشبعاً بذكريات الوطن والاهل والمعارف والاصدقاء, من خلال عملية الكتابة يثبت وجوده وتواصله مع الحياة ومع خزين الذكريات التي يحملها داخل الضلوع في هجير الغربة والترحال . اي باختصار عملية الكتابة هي عملية نقل الحمى الداخلية الى الخارج , لشارك القارئ في سعير هذه الحمى . ............... هذه اسلوبيتك الخلاقة في فن السرد الحديث , او في عملية خلق السرد الذي يستلهم معين معارفك الواسعة في المعارف الادبية واللغوية , تعجنهما في عحينة السرد الخلاق , بشكل مبتكر وحديث . وتبقى تحفة رواية ( مرافئ الحب السبعة ) من تيجان الروايات العربية البارزة والمتميزة , بل اعتبرها من المعلقات السبعة في فن الروائي الحديث .

ودمت بخير وصحة أخي العزيز والمبدع الكبير

ردك على التعليق

علي القاسمي

علي القاسمي

 

 

جمعة عبدالله

about 1 week ago

#171110

أخي العزيز المفكر الناقد الأديب الأستاذ جمعة عبد الله،

شكراً جزيلاً على هذا النص المستقل الذي أبدعتًه عن الموضوع لأنك كاتب حر يعاني وجع الكتابة. وإني أجد نصك أجمل من نصي.

أغتنم الفرصة لأكرر لك دعوتي لحضور معرض الكتاب في مدينة الرباط في الأسبوع الأول من شهر حزيران القادم. وكم اشتقت للقياك.

أخوك: علي القاسمي

ردك على التعليق

عزام بونجوع

عزام بونجوع

about 6 days ago

#171111

حضرة العزيز أستاذنا الجميل سيدي علي القاسمي،

رمضانكم مبارك سعيد.فعلا غبت عن صفحتكم مدة ليست بالقصيرة آسف على ذلك.أكتب هنا فقط لأقول لسيادتكم لما يعجبني كتاب او مقال لا أقرأهما مباشرة حتى أطيل لذة إنتظار متعة القراءة.وأخيرا فتح لنا الأستاذ علي القاسمي قلبه وأفصح عن أسراره مع عالم الكتابة والكل يعلم ما ألفه كاتبنا الكبير من أعمال في كل فنون القول والأدب...إذن سأرجع قريبا للتعليق على مقالكم متمنيا أن أجد غلطة في ما كتبتم هههههههه لكن هذا من المستحيلات.

صوم مقبول مع تقديري ومحبتي الدائمين: عزام بونجوع

ردك على التعليق

علي القاسمي

علي القاسمي

 

 

عزام بونجوع

about 6 days ago

#171112

صديقي العزيز الناقد الأديب الأستاذ عزام بو نجوع حفظه الله ورعاه،

السلام عليكم ورمضان مبارك.

أشكرك على كلماتك الطيبة وأنا سعيد بعودتك .

آمل أن تجد في نصي ما يستحق المدح لا القدح.

مودتي واحترامي.

أخوك: علي القاسمي.

ردك على التعليق

فتيحة غلام

فتيحة غلام

about 6 days ago

#171113

شكرا جزيلا أستاذنا المفضال ومبدعنا الفذ؛ لأنك رسمت للكتابة لوحة خاصة بعالمك الوردي المزهر، فتفجرت من ينبوعها المتمثل (بفتح التاء) صيحات روحك، وأنات دواخلك، وتمردات آهاتك، وآمال يقينك، وجمالات أساليبك.

ردك على التعليق

علي القاسمي

علي القاسمي

 

 

فتيحة غلام

about 6 days ago

#171120

الكاتبة الأديبة الدكتورة فتيحة غلام حفظها الله ورعاها.

شكراً لكلمات الطيبة بحق نصي ، النابعة من معاناتك اللذيذة في فعل الكتابة.

دعواتي لك في هذا الشهر الفضيل بالصحة والهناء والخير.

علي القاسمي

ردك على التعليق

د. فاتحة

د. فاتحة

about 6 days ago

#171114

السلام عليكم ورحمة الله ، تحية طيبة للعلم الكبير، المثقف والمترجم واللغوي والمعجمي والروائي الكبير، متعك الله بالصحة ومد الله في عمرك وجعل كل ما قدمت وما تقدمه في ميزان حسناتكم.

تديري واحترامي

ردك على التعليق

عبد المالك أشهبون

عبد المالك أشهبون

about 6 days ago

#171115

الكتابة في مشروع علي القاسمي في القصة والرواية ينطلق دائما من سيرة جرح انفتح...فتلفي المبدع خلالها يغمس قلمه في جرحه النازف ويكتب لنا آماله وآلامه بدمه الحار...خصوصا حينما يتعلق الأمر بقيدوم المغتربين في عالمنا العربي....أما نحن في المغرب فنعتبر علي القاسمي اخا عزيزا وصديقا مخلصا ومبدعا فذا ننهل من معين ابداعاته ما يرتقي بنا إلى سموات المعرفة...دمت لنا ودامت لنا مودتك أيها الكبير...محبتي وتقديري العميقين

ردك على التعليق

علي القاسمي

علي القاسمي

 

 

عبد المالك أشهبون

about 6 days ago

#171121

الأديب الناقد الكبير أخي العزيز الدكتور عبد المالك أشهبون حفظه الله ورعاه،

أشكرك من القلب على تعليقك الكريم وتشجيعك المستديم، فمنذ أن بدأتُ النشر في المغرب العزيز وانتَ تواصل التشجيع والتعليق والكتابة عن كتاباتي، وتشجّع أصدقاءك النقاد على قراءة ما أكتب. فكنتَ ينبوعاً ثراً لغرسي، فجزاك الله خير جزاء. ودمت لي أخاً مبدعاً استرشد بمؤلفاته القيمة عن تقنيات السرد وأسراره.

أخوك: علي القاسمي

ردك على التعليق

رجاء حمد صنكال

رجاء حمد صنكال

about 6 days ago

#171119

رمضان كريم وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال..

ومبارك لكم أستاذنا الفاضل، صدور الطبعة الرابعة من رواية (مرافئ الحب السبعة). التي اجتمعت فيها أروع المعاني وأرقى المشاعر.

فقد كان وصفكم لسبب الكتابة، يلخص جمالية التحليق في فضاء الكتابة، وتحرير المشاعر الكامنة في داخل كل من يروم العيش بعيدا عن عالمه الخانق .

فما أجمل تعبير جنابك عن متعة الكتابة حين تقول:"ليس المهم أن يقرأني الآخرون، فمتعتي الحقيقيَّة تكمن في فعل الكتابة ذاته. ففي الكتابة تكتسب الأشياءُ حولي بُعداً رابعاً، وينضاف إلى كياني حسٌّ سادسٌ، فأصوغ نفسي من جديد، وأشكِّل عيني ولساني ومن خلالهما أشكِّل العالَم من حولي".

حفظكم الله تعالى، وزادكم فضلا وعلما، ومتعكم بالصحة والعافية.

ردك على التعليق

علي القاسمي

علي القاسمي

 

 

رجاء حمد صنكال

about 6 days ago

#171122

عزيزتي الأديبة الأستاذة رجاء حمد صنكال حفظها الله ورعاها،

شكراً لتكرمك بهذا التعليق المكتوب بحسك المرهف وأسلوبك البديع.

كنتُ أتمنى أن تستغلي وقتك الثمين بأكمال أطروحتك للدكتوراه. لأن لقب " دكتورة" مستحق لك وبليق بك.

تمنياتي لك بالصحة والخير والهناء.

علي ا لقاسمي

ردك على التعليق

يحيى السماوي

يحيى السماوي

about 5 days ago

#171136

خلاصة رأيي بكم وبكتابتكم أستاذي الأديب الكبير د .علي القاسمي : أنت تكتب لأن الكتابة بالنسبة لك - وأعني الكتابة الإبداعية - ضرورة وجودية لتمارس من خلالها دورك الإنساني في الذود عن الجمال والإنتصار للمحبة في حربهما المشروعة ضد القبح والضغينة ..

أما انا ، فإنني أقرأ كتاباتك كي : أتعلم ليس فن السرد فحسب ، إنما وكيف أجعل من غير المرئي مرئيا ، ولكي أعرف المزيد من سيرتك الذاتية ، فثمة يقين لي بأن كتاباتك تتضمن الكثير من سيرتك الذاتية المباركة .

تذكرت من خلالك مذكرات ماركيز : عشت لأكتب .

شكرا للعَلَم والمُعلِّم فيك أخي وصديقي وأستاذي المبدع الكبير .

ردك على التعليق

علي القاسمي

علي القاسمي

 

 

يحيى السماوي

about 5 days ago

#171137

أخي العزيز وأستاذنا الجليل الشاعر الأكبر يحيى السماوي حفظه الله ورعاه,

سررتُ جداً بثنائك الكريم على الفصلة التي نشرتها من روايتي " مرافئ الحب السبعة".

والآن أفشي لك سراً عن كتابتها. فقد تعلمتُ في دروس الأدب أن كثيراً من الأدباء يقسّمون يومهم على قسمين: في الصباح يقرأون كتباً للأدباء الكبار، وفي المساء يكتبون نثرهم أو شعرهم. لأن الأدب الجيد يثير رغبة الإبداع في القارئ.

ولهذا عندما بدأتُ بكتابة هذه الرواية، كنتُ أقرأ في دواوينك الفخمة التي كنتَ تتكرم بإرسالها إليَّ بالبريد المسجل من أستراليا، وتعلمتُ منها كثيراً ، وهذا فضلٌ لا أنساه، كما أن تاريخ الأدب العربي لا ينساكم مطلقاً.

تمنياتي لك سيدي بالصحة والخير والهناء.

محبكم: علي القاسمي

ردك على التعليق

عصام ثاير القيسي

عصام ثاير القيسي

about 5 days ago

#171141

نص جميل ورائع وكأني اشاهد لوحة مرسومة بريشة فنان محترف يعرف خبايا العاشقين والمحبين، ولاسيما المزيج المذهل مابين معاناة البطل الداخلية والروحية وهجرانه لبلده الأم والبحث عن طريق ليسلكه ويوجهه نحو عالم آخر من الحرية والحب الثائر والتخلص من القيود والتحكمات التي حاولت أن تهبط من عزيمته واصراره أو أن تقلل من شأن موهبته الكبيرة .. أسلوب جميل وتوظيف هائل للمفردات والجمل الرومانسية والصور الرمزية المستخدمة في النص تنم عن إمكانية فذة وقدرة لاتوصف لدى الدكتور علي القاسمي.. اقسم باني لم اقرأ نصا بهذه الجمالية من قبل، كلام ساحر يأخذك بعيدا لمرفئ المتعة والجمالية ، ويكسر الملل والرتابة وحشو العبارات الموجودة في الأدب وفي كل مكان...

ممتن جدا دكتور علي القاسمي المحترم والغالي علينا وعلى كل عاشق للأدب والثقافة والفن... لمساتك السامقة ستبقى محفورة في أدب المشرق والمغرب.. ويكفينا ويعزنا فخرا أن نوعا أدبيا آخر ظهر لنا يدعى ( أدب علي القاسمي) فله خصيصة بل خصائص جمة لا تتوافر في أدبيات ونصوص أخرى عربية أو غربية..

وافر الشكر والتقدير لكم دكتور علي القاسمي وبارك الله فيك وزادك علما وثقافة ونورا وبصيرة ..


تحياتي الخالصة

عصام ثاير منصور

ردك على التعليق

علي القاسمي

علي القاسمي

 

 

عصام ثاير القيسي

1 day ago

#171212

أخي العزيز الأديب الأستاذ عصام ثاير منصور حفظه الله ورعاه،

أشكرك من صميم القلب على تشجيعك الكريم لي في نص هو تمثال رائع للجمال.

في كتابي "مفاهيم العقل العربي"، ذهبتُ إلى أن الجمال ذاتي وليس موضوعياً، في ثقافتنا العربية.

فنصكَ الجميل هذا دليل على ما ذهبتُ إليه. فأنتَ ترى الأشياء جميلةً، لأن نفسك الزكية زاخرة بالجمال يطفح منها ويفيض على ما حوله ، فيبدو الوجود كله جميلآ في ناظريك,

وفي (علم السعادة) تُعدّ هذه النظرة الإيجابية في النفس لازمةً لتحقيق السعادة لدى الإنسان بعد أن تتوافر شروطها الثلاثة (الأمن، والصحة، والكفاية) التي وردت في الحديث الشريف: " مَن أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، حيزت له الدنيا بحذافيرها".

وأنا سعيد جداً لأنك يا صديقي العزيز إنسان جميل سعيد في أعماق ذاتك الخيرة. ولهذا بلغني أنك محبوب من زملائك. فالجمال هو قرين الحق والخير.

دام لك الخير والهناء.

معزّكم: علي القاسمي

ردك على التعليق

محمد السرغيني

محمد السرغيني

about 4 days ago

#171147

صديقي الأعز الدكتور علي القاسمي أثيرتك تستحق الامتنان، وغربة الكاتب الألمعي بدونها جفاف القلم وامتناع الخيال، إذ الكاتب في غربته سطعت شخصيته مرجعا لا غنى عنه في المعجم واللغة وجمال الأسلوب وزخم الأفكار النيرة المنيرة والدلالات لمن تقصى دخائر ما أفدتنا به رعاك الله من قصص و روايات تأليفا وترجمة ودراسات لغوية و فكرية ماتعة خصيبة، على الأقل من رؤيتي الخاصة. الكاتب لن يقدر مهما حاول أن يفسر كيف تأتيه لوعة الكتابة مثل وردة ياسمين يتعذر عليها توصيف أريجها بالأحرى نشأته. من ثم الكتابة اغتراب وغرابة قاسيان لكن لذيذان إثر سريانها حبرا على ورق إزاء قارئ مفترض. استمتعت بنصك الرائع هذا بما فيه من كشف عن أسرار لايدركها واعيا أي ممارس لفعل الكتابة.هنيئاً لخلقك لنا عالما أجمل من الواقع. دمت بألف خير.

ردك على التعليق

علي القاسمي

علي القاسمي

 

 

محمد السرغيني

21 hours ago

#171227

أخي الكريم الشاعر الأديب المتألق الأستاذ سيدي محمد السرغيني حفظه الله ورعاه،

في تعليقك الكريم، قلتَ بطريقة دبلوماسية " إن الكاتب سطعت شخصيته في غربته".

هذا عين الصواب. وأعلله بما يأتي: في حفل التخرج في جامعة تكساس في أوستن سنة 1972، خاطبَنا رئيس الجامعة قائلاً: "إن شهادة الدكتوراه التي تستلمونها اليوم لا تعني سوى انكم قابلون للتعلم قادرون على البحث.". ََ

ومن حسن حظي وجميل قدري أنني أصبت بمرض الحنين إلى الوطن . ولما لم يكن في مقدوري العودة إلى العراق، تشرفتُ بالعمل أستاذا زائراً في كلية الآداب بالرباط . ووقعتُ في حب المغرب العزيز.

وأخذت أنهل من حضارته العريقة، وعلومه المبثوثة في صدور رجالاته، وخزائن كتبه، وسجايا أهله الكرام، وطبيعته الخلابة الجمال. ولهذا ما فتئت أقول إنني تعلمتُ في المغرب ما لم أتعلمه في الجامعات التي ارتدتها.

شكراً لك على تشجيعك المتواصل، مع أطيب تمنياتي ومودتي واحترامي.

معزّكم : علي القاسمي

ردك على التعليق

تواتيت نصرالدين

تواتيت نصرالدين

about 4 days ago

#171150

الكتابة طقوس مهنية واحترافية عند الكثير من الكتاب والدكتور علي القاسمي

قد تجاوز ذلك بكثير لتكون كتاباته تأسيس لمدرسة لها منهجها في عالم الأبداع

مبنى ومعنى ومقاربة نصية لها قواعدها وأسسها في الأستحواذ على القاريء

واجباره على متابعة النص والغوص في تفاصيله .

تحية تليق بك وبكتاباتك التي تنم عن عبقرية ابداعية ورسالية

ودمت في رعاية الله وحفظه.

ردك على التعليق

علي القاسمي

علي القاسمي

 

 

تواتيت نصرالدين

21 hours ago

#171228

الأديب االتربوي الأستاذ تواتيت نصر الدين حفظه الله ورعاه،

شكراً جزيلاً على تشجيعك الكريم وعلى تحديدك بحذق ووضوح المنهج الواجب اتباعه في الكتابة التي ينبغي أن تُعنى ـ كما تفضلتَ ـ بالمبنى والمعنى معاً،

وإثارة رغبة القارئ في متابعة قراءة النص والتفكُّر في مراميه.

دمتَ مبدعاً ومربياً، مع مودتي واحترامي.

معزّكم: علي القاسمي

ردك على التعليق

 


السياسات اللغوية بين التطوير والتدمير

شاهد المقال

 

باسم الله الرحمان الرحيم

السياسات اللغوية بين التطوير والتدمير

بقلم: الدكتور علي القاسمي

نقلا عن موقع أفاق معرفية 

التخطيط اللغوي والسياسة اللغوية:


يمكن النظر إلى التخطيط اللغوي بوصفه وضع الإجراءات المنهجية والعملية لتدبير الشأن اللساني في البلاد بما يعود بالنفع على الدولة. ويستند هذا التخطيط إلى منطلقات ومرجعيات وغايات، ويقوم على دراسات لسانية واجتماعية واقتصادية وقانونية، وتنتج عنه سياسةٌ لغويةٌ تلتزم بها الدولة، وتعمِّم تطبيقها في جميع مجالات الحياة. وإذا كانت السياسات الأخرى كالسياسة المالية أو السياسة التربوية أو السياسة الصحية أو السياسة الإعلامية، مثلاً، تختصُّ كلُّ واحدة منها بمجالٍ معيَّن، فإن السياسة اللغوية تهمُّ جميع المجالات في الدولة، لأن اللغة هي وسيلة التفكير والتعبير، والتواصل والتفاهم، وتراكم المعلومات وتوارثها، وأداة النفاذ إلى المعرفة في البلاد كلّها (للتوسع في الموضوع يُنظَر: بجيوي، الفاسي الفهري، كوبر، المسدي).


وطبقاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن التنمية البشرية تُقاس بانتشار المعرفة بين السكان، وتمتُّعهم بالخدمات الصحّية الجيّدة، وحصولهم على دخلٍ كافٍ للعيش بمستوىً يليق بالكرامة الإنسانية؛ وهذا يتطلَّب إيجاد مجتمع المعرفة القادر على النفاذ إلى مصادر المعلومات، وتلقيها، واستيعابها، وتبادلها، والإبداع فيها، والإضافة إليها، بِيُسر وسرعة. وأداة النفاذ إلى مصادر المعلومات هي اللغة (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي).


وهناك من يرى أنه في وسعنا أن نقيس تقدُّم الأمَّة بمستوى الناس الثقافي ومدى اهتمامهم بالمكتبات والمتاحف والمسارح ودور السينما والموسيقى ومعارض الفنون التشكيلية ودور الثقافة (يقطين). واللغة هي العنصر الأساس في الثقافة، لأن جميع الأنشطة الثقافية تؤدَّى من خلال اللغة بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة. فاللغة هي الفكر. 


 


غاية التخطيط اللغوي:


ولهذا كلِّه، فإن غاية التخطيط اللغوي هي تطوير اللغة لتكون أداةً فاعلة في تحقيق التنمية البشرية. ولما كان عدد اللغات في العالم يتراوح بين ثلاثة آلاف وسبعة آلاف لغة، بحسب الأسس والمعايير المختلفة التي تُعتَمد في تصنيف اللغات؛ ولما كان عدد الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة يبلغ في الوقت الحاضر أقل من مئتي دولة، فإن هذا يعني عدم وجود دولة أحادية اللغة، أي أن كل دولة تشتمل على مجموعاتٍ سكّانيةٍ عديدة تتحدّث بلغات متباينة، مما يسبِّب صعوبةً في التواصل، وتضارباً في المصالح، وخللاً في التماسك الاجتماعي، وخطراً على السلم الأهلي؛ لأن اللغة تؤثِّر في تفكير الناطقين بها، وتشكيل ثقافتهم وقيمهم، وتخليق عواطفهم وتوجّهاتهم، وتحديد هُويتهم، وإعطائهم الإحساس بالانتماء الوطني، فوحدة الوطن من وحدة اللغة. فاللغة، كما يراها المفكِّر محمد عابد الجابري (1936 ــــ 2010)، " هي الوعاء الذي تنصهر فيه الهُوية ووحدة الوطن والمواطنة، ففي هذا الوعاء وبه تتحقَّق المشاعر ووحدة الوطن ووحدة الذاكرة ووحدة التطلعات..." ( الجابري: 91).


ولهذا نجد أن معظم السياسات اللغوية في العالم ترمي إلى اختيار لغة وطنية مشتركة واحدة وتعميمها بوصفها الضمانة لوحدة البلاد، وتطلق عليها اسم " اللغة الرسمية"، على الرغم من وجود لغاتٍ وطنية أخرى. وثمَّة دول قليلة جداً تتبنى أكثر من لغة رسمية واحدة، مثل سويسرة التي تعتمد أربع لغات رسمية، وقد حصل ذلك نتيجةَ ظروفٍ تاريخيةٍ خاصَّة، وهو استثناء لا يُقاس عليه.


تاريخ التخطيط اللغوي:  


يدلُّنا التاريخ على أن التخطيط اللغوي قديمٌ قِدم تأسيس الدول. وقد سعى الملوك في الدول القديمة إلى فرض لغة واحدة في المناطق التي يسيطرون عليها، رمزاً لسلطةٍ واحدة. فعندما برز الآشوريون (1220 ــ 609 ق.م.) قوة عالمية، حاول ملوكهم توحيد الشعوب العروبية أو الجزيرية، وفرض لغتهم الأكدية الآشورية التي كانت تُدوَّن بالكتابة المسمارية، لغةَ تواصلٍ مشتركة في المناطق التي كانت تحت سيطرتهم في الأحواز والعراق وسوريا وفلسطين ومصر، خاصَّةً في عهد الملك أسرحدون (حكم من 680 ــ 669 ق.م.) وابنه الملك آشوربانيبال (حكم من 668 ـــ 627 ق.م.) ، كما تذكر دائرة المعارف البريطانية (بريتانيكا).             


وعلى الرغم من أن هذه الشعوب تتكلَّم بألسن تنتمي لأسرة لغوية واحدة هي مجموعة اللغات الجزيرية أو العروبية ( التي يطلق عليها الأوربيون اسم اللغات الحامية السامية)، وعلى الرغم من أن اللغة المصرية القديمة كانت تدوَّن بالكتابة بالهيلوغرافية، وهي كتابة عريقة وضعها أبناء الكنانة بعد فترة قصيرة من ظهور الكتابة المسمارية حوالي سنة 3600 ق.م.، كما تخبرنا (موسوعة المعرفة) والموسوعة الفرنسية (يونفارساليس) و (السليمان 24ـــ 27)؛ فقد حاول الملوك الآشوريون اتخاذَ لغةٍ رسميةٍ واحدة هي الأكدية الآشورية بكتابتها المسمارية، لأنهم كانوا يدركون أن اللغة قوةٌ بحدِّ ذاتها، تمنح أهلها سلطة وتميُّزاً، وتوحِّد الناطقين بها، وتيسِّر التواصل بين أطراف امبراطوريتهم وتسرِّعه.. 


ويخبرنا التاريخ كذلك أن بعض اللغات وجِدت فعلاً وتطوَّرت كمّاً وكيفاً بفضل قرارٍ رسمي يمثِّل السياسة اللغوية للدولة. فاللغة الفرنسية، مثلاً، لم يكُن لها وجودٌ فعلي في الدوائر الرسمية بفرنسا قبل قرار اتخذه الملك فرانسيس الأول سنة 1539 يقضي بجعل لغته الفرنسية لغةً رسمية في الإدارة والمحاكم، على الرغم من وجود حوالي 24 لغة ولهجة وطنية في فرنسا في مقدِّمتها: الألزاسية، والكتلانية، والكورسيكية، والبريتونية، والغالية.  


)L’histoire du française)


ولم تدوَّن قواعد اللغة الفرنسية إلا سنة 1550 . واليوم يمنع القانونُ الفرنسي رقم 94ـــ 665 الصادر بتاريخ 4/8/ 1994 (المعروف باسم قانون توبون، وتوبون هو وزير الثقافة آنذاك) استخدامَ اللغات الوطنية الأخرى استخداماً رسمياً. ويعدُّ السياسيون الفرنسيون "أن اللغة الفرنسية هي أحد العوامل الأساسية في الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي، وتساوي الفرص" ، كما جاء في خطابٍ لأحد رؤساء الوزارات الفرنسية. (أية سياسة للغة الفرنسية؟)


وفي مرحلة الاستعمار الحديث بعد الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر الميلادي، فرضت الدول الاستعمارية الأوربية لغاتها على مستعمراتها في إفريقيا وآسيا والأمريكتيْن (ومنها معظم البلدان العربية) لتضمن تبعيتها الثقافية والاقتصادية حتى بعد رحيل الاستعمار عنها.


 


دور السياسة في تطوير أو تدمير اللغة:


قد ترمي السياسة اللغوية إلى جعل لغة من اللغات الوطنية اللغة الرسمية في البلاد، فتسعى إلى تنميتها وتطويرها وتيسير استعمالها. وثمة إجراءات عديدة لتطوير أية لغة: مثل الإجراءات القانونية، كما هو الحال في قانون توبون في فرنسا؛ والإجراءات اللسانية الرامية لتيسير نحو اللغة وكتابتها، والإجراءات المؤسّساتية المتمثِّلة بتأسيس مجامعَ لغويةٍ ومعاهدَ ترجمةٍ ومراكزَ بحوثٍ لدراسة طرائق تعليم اللغة لإبنائها ولغير الناطقين بها؛ والإجراءات الثقافية التي تعمل على تعميم استعمال اللغة الرسمية في وسائل الإعلام، وتشجيع الترجمة منها وإليها؛ والإجراءات التربوية التي تجعلها لغة تدريسٍ وبحثٍ في المنظومة التعليمية. وقد تطرّقتُ إلى هذا الجانب من السياسة اللغوية في دراسات سابقة، خاصَّةً في كتابي " لغة الطفل العربي: دراسات في السياسة اللغوية وعلم اللغة النفسي"، وكتابي " السياسة الثقافية في العالم العربي" ( القاسمي: 2008 و 2014).


بَيدَ أن السياسات اللغوية قد تعمل على تهميش لغةٍ ما أو محاصرتها والإضرار بها، أو حتى تدميرها والقضاء عليها. وعلى الرغم من وجود آلاف اللغات في العالم، فإنه لا يُستخدم منها في العالم الرقمي سوى أقل من 100 لغة، وحوالي 43 بالمائة من مجموع اللغات هي لغات محكيَّة معرَّضة للانقراض بسبب العولمة، وأن ما بين 250 و 300 لغة تنقرض سنوياً بفعل السياسات اللغوية والميل إلى استعمال اللغات الوطنية أو العالمية الأوسع انتشاراً ( اليونسكو). ويتناول مقالنا هذا السياسات اللغوية التدميرية، مستمدين الأمثلة مما هو معمول به في البلدان العربية.


السياسات المعتمدة في تدمير اللغة العربية:


إن السياسات اللغوية المعتمَدة في البلدان العربية تؤدي إلى تهميش اللغة العربية الفصيحة المشتركة وتدميرها، من وجهة نظرنا. ونسوق هنا بعض هذه السياسات:


1 ـــ سياسة الثنائية اللغوية في الدولة (أو الاستعمار اللغوي):


على الرغم من أن الأغلبية الساحقة من دساتير البلدان العربية تنصُّ على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية في البلاد، فإن الدولة تعتمد لغة المستعمِر القديم (الإنكليزية في دول المشرق "العربي"، والفرنسية في دول المغرب "العربي") في المؤسسات الاقتصادية والمالية كالشركات والمصارف الوطنية والأجنبية، وفي التعليم لغة تدريس، خاصَّةً التعليم العالي، حيث تُستعمَل اللغة الأجنبية لغة تدريس العلوم النظرية والتطبيقية في كلّيات العلوم والهندسة والزراعة والطبّ والصيدلة وغيرها، على الرغم من عدم تمكُّن الطلاب وكثير من أساتذتهم من اللغة الأجنبية. وينحصر استعمال العربية الفصيحة المشتركة في الدراسات الإنسانية والاجتماعية.


فالدول العربية، في الواقع، تعتمد سياسة الثنائية اللغوية: لغة أجنبية ولغة وطنية، وتحدِّد لكل منهما وظيفتها ومجالات استعمالها. وتضطلع اللغة الأجنبية، في حقيقة الأمر، بوظيفة أساسية في المؤسَّسات الاقتصادية والمالية والعلمية والتقنية. ونظراً لأن هذه المؤسَّسات هي الأكثر مردودية مادية، والأعلى مكانة اجتماعية، فإن هذه السياسة تحيق باللغة الوطنية ظلماً في عقر دارها، على حد تعبير اللساني المغربي عبد القادر الفاسي الفهري، وتوجِّه إهانةً مقصودة إلى لغة القرآن الكريم والشعوب الناطقة بها.


ويؤدّي هذا الوضع إلى توليد انطباعٍ لدى المواطنين مفاده أن اللغة العربية لغةٌ قديمة لا يمكنها التعبير عن العلوم العصرية، وهو انطباع يتسبَّب في الشعور بالنقص لدى المواطنين الذين لا يجيد معظمهم اللغة الأجنبية.


ومن ناحية أخرى، يتسبَّب هذا الوضع الشاذ بشعورٍ بين معظم المواطنين الذين لا يجيدون اللغة الأجنبية بأن لغة الدولة هي غير لغة المواطنين، ما يؤدّي إلى انفصام بين الدولة ومواطنيها، وبعبارة أخرى، نشوء شعورٍ سلبي متبادل بين المواطنين وموظَّفي الإدارة: يشعر المواطنون باستعلاء موظَّفي الإدارة عليهم لمخاطبتهم بلغةٍ أجنبية، ويشعر الموظَّفون بجهل المواطنين لعدم تمكُّنهم من ملء استمارةٍ باللغة الأجنبية مثلاً. ويسهم هذا الاستياء لدى المواطنين في الإرهاص لخلخلة السلم الأهلي واندلاع اضطراباتٍ اجتماعية.


ولقد قمتُ بدراسةٍ إحصائية على سُلَّم التنمية البشرية الذي يصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سنوياً، ويرتّب فيه الدول الأعضاء في الأُمم المتحدة طبقاً لدرجة التنمية البشرية فيها، فوجدتُ أن جميع الدول التي تستخدِم لغةَ المستعمِر القديم لغة عملٍ فيها، هي من الدول ذات التنمية المتدنية (تورية تعني الدول المتخلّفة)، ومنها ــ مع الأسف ــ بلداننا العربية؛ وأن جميع الدول ذات الرتب العالية في السلَّم تستخدم لغاتها الوطنية. ( برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: 22ـــ27).


ومما يدفعنا إلى الاقتناع بأن التمسُّك باستعمال لغة المستعمِر القديم لغة عمل في القطاعات الحيوية في بلداننا هي سياسةٌ معتمدة مقصودة، ما نلمسه من انفصام بين المثقَّفين وأصحاب القرار حول الموضوع؛ إذ يصرُّ المثقفون العرب على ضرورة استعمال اللغة العربية الفصيحة المشتركة في تلك القطاعات الحيوية وجميع المجالات الأخرى في بلدانهم، ويصرّ أصحاب القرار بالإبقاء على لغة المستعمِر القديم. فقد عُقِدت خلال الستين سنة الأخيرة عشرات المؤتمرات لوزراء التربية العرب، ووزراء الصحة العرب، ووزراء الزراعة العرب، ووزراء المالية العرب، ورؤساء الجامعات العربية، وعمداء كليات الطب، وعمداء كليات الصيدلة، وعمداء كليات العلوم، وعمداء كليات الهندسة، إلخ.، وجميع هذه المؤتمرات ألحَّت في توصياتها على ضرورة تعريب تلك القطاعات فوراً أو في غضون سنوات معدودة، خاصة أن جميع المصطلحات العلمية والتقنية الأساسية متوافرة باللغة العربية. ولكن أصحاب القرار لا يعيرون أذنا صاغية. ( القاسمي، 2008: 115 ــ 137).


ويطلق بعض اللسانيِّين مصطلح "الاستعمار اللغوي" على هذه الوضعية، وهو مصطلح ابتدعه اللساني البريطاني روبرت فيلبسون في كتابه " الاستعمار اللغوي" الذي صدر سنة 1992. ويرى فيلبسون أنه يمكن تنفيذ الاستعمار اللغوي عن طريق المؤسسات الدولية مثل البنك العالمي وصندوق النقد الدولي من خلال قروضهما الخاصَّة بالتعديلات البنيوية الاقتصادية التي تنفِّذها حكومات الدول النامية بضغط من الدول الاستعمارية الكبرى. ( يُنظر فيلبسون، الشمري، القاضي).  


فالمستعمِر لم يعُد موجوداً بجيوشه ورجالات إدارته في بلداننا، ولكنه موجود فاعل بلغته وثقافته واقتصاده، ويعتمد في تحقيق مصالحه على نخبة حاكمة من أهل البلاد تؤمن بطروحاته وتوجّهاته، وارتباط مصالحها بمصالحه. 


2 ــ السياسة التربوية:


تؤكِّد تقارير التنمية البشرية التي يصدرها سنوياً برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على أن تحقيق التنمية البشرية في البلاد يتطلَّب عناية الدولة بالتعليم والخدمات الصحّية وتوفيرهما بجودة عالية لجميع المواطنين، والتزامها بالديمقراطية وتكافؤ الفرص بين أبناء البلاد. وقد تبنَّت تلك السياسة التنموية كثيرٌ من الدول التي كانت أكثر تخلفاً من البلدان العربية قبل حوالي ستين عاماً، فأصبحت اليوم من الدول المتقدِّمة حقاً، مثل ماليزيا، وكوريا التي كانت أفقر دولة في آسيا، وفنلندا التي كانت أفقر دولة في أوربا، والصين، وإيران، وتركيا، وغيرها. 


ولكننا نجد أن الأمّية تنتشر في البلدان العربية، بسبب عدم تعميم التعليم الإلزامي الذي تنصُّ عليه دساتير الدول العربية. إضافة إلى تضاؤل جودة التعليم في المدارس الحكومية ما يؤدّي ـــ مع أسباب أخرى ـــ إلى تسرُّبٍ كبير من المدرسة. وقد أشارت المنظَّمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) إلى ارتفاع عدد الأميين في البلاد العربية إلى 72 مليون شخص ممَّن تزيد أعمارهم عن 15 عاماً بحيث تصل نسبة الأمّية في الوطن العربي إلى 35 بالمئة من البالغين( ويكبيديا).


وتعلن الحكومات العربية، المرَّة تلو المرة، أنها ترفع يدها عن التعليم والصحَّة وتتركهما للقطاع الخاصّ، بحجّة اتباعها سياسة الاقتصاد الحر والانفتاح على العالم. ونتيجة لهذه السياسة المناقضة لجميع مبادئ التنمية البشرية، فإن النظام التعليمي في البلدان العربية أصبح ساحة تتصارع فيها مصالح الطبقات الاجتماعية والدول الأجنبية. فكلُّ طبقة اجتماعية وكلُّ دولة ذات أهداف استعمارية، تسعى إلى أن تكون مخرجات التعليم في صالحها، وأن يُنتِج مجتمعاً يخدم مصالحها. وهكذا فإن النظام التربوي المعمول به في البلدان العربية هو لخدمة الطبقة العليا، ويعمل على إعادة إنتاج الطبقية المجتمعية، ولا يوفر تكافؤ الفرص بين المواطنين، كما أنه لصالح دول استعمارية بذاتها. فالمدارس في البلدان العربية على ثلاثة أنواع:


   أ ــ المدارس الأجنبية:


وهذه المدارس تركها المستعمِر في البلدان العربية، وتوسَّعت بعد الاستقلال. وهي، عادةً، مدارس فرنسية في بلدان المغرب "العربي"، ومدارس بريطانية أو أمريكية في بلدان المشرق " العربي". وتدرّس هذه المدارس المنهج الأجنبي باللغة الأجنبية، ويكون درس اللغة العربية الدارجة اختياريا عادة ولا يؤثر في نتيجة الطالب. ويجيد خريجو هذه المدارس اللغة الأجنبية، ويتشبّع معظمهم بالثقافة الأجنبية، ويُزرع في لاوعيه احتقار الثقافة العربية وأهلها. ونظراً للأجور الدراسية المرتفعة التي تتقاضاها هذه المدارس، لا يستطيع الانخراط فيها إلا أبناء رجال السلطة وأبناء الطبقة الموسرة. وبفضل طبقتهم الاجتماعية وإجادتهم اللغة الأجنبية، فهم المؤهلون لحكم البلاد وإدارة الشركات والبنوك وغيرها من المؤسسات الاقتصادية والمالية، إذا لم يهاجروا إلى الدول التي تربّوا على ثقافتها بسبب شعورهم بالاغتراب في أوطانهم. 


ب ــــ المدارس الأهلية أو الخاصَّة :


وهي مدارس يقيمها رجال الأعمال، وتتوافر في المدن الكبيرة فقط، وتتوخّى الربح في الأساس، وتتقاضى أجوراً عالية ترهق كاهل الطبقة المتوسطة. وتستخدِم هذه المدارس المنهج التعليمي الوطني مع عناية خاصَّة باللغة الأجنبية، وتؤهِّل خريجيها للعمل مساعدين لخريجي المدارس الأجنبية، بفضل معرفتهم المتوسطة باللغة الأجنبية التي هي لغة عمل في المؤسَّسات الاقتصادية والمالية والخدمية.


ج ـــ المدارس الحكومية، 


وهي مدارس شبه مجانية تتولّى إنشاءها وزاراتُ التربية والتعليم، وهي سيئة التجهيز وتعاني اكتضاض الصفوف، وغياب المدرِّسين الذين ينقصهم الدافع والإعداد الجيّد. وعلى الرغم من أن دروس اللغة الأجنبية تحظى، في هذه المدارس، بأفضلية كبيرة على اللغة العربية من حيث عدد الساعات، والمُعامل المخصَّص لها في الامتحانات، فإن خريجي هذه المدارس لا يجيدون عادة اللغة الأجنبية. ولذلك فإن معظمهم لا يحصل على وظيفة في سوق العمل الذي يعتمد اللغة الأجنبية، ما ينتج عنه بطالة قاتلة بين خريجي هذه المدارس، فيضطر معظمهم إلى الهجرة في قوارب الموت إلى أوربا بحثاً عن إنسانيتهم، أو الانضمام إلى الحركات المشبوهة، فيصيرون وقودا للاضطرابات الاجتماعية والثورات الشعبوية والحروب الأهلية.


إن الانفصام بين لغة التدريس في المدارس الحكومية ولغة العمل في المؤسَّسات المالية والاقتصادية والعلمية والتقنية التي تعتمدها الدول العربية، يُسهم في تفاقم مشكلة البطالة بين الشباب العرب. فتعداد سكان الدول العربية حالياً 365 مليون نسمة، نصفهم في العشرينيات من العمر، وتبلغ نسبة البطالة حوالي 30 بالمئة من مجموع القوى العاملة، مع أن متوسّط البطالة على مستوى العالم 13 بالمائة. ( حسين).


يكفي أن نشير هنا إلى أن المدارس الأمريكية في كوريا، مثلاً، هي للأمريكان والأجانب فقط وليس للكوريين الذين تتعهّد دولتهم بتربيتهم وتعليمهم وعلاجهم مجاناً في مدارسها الوطنية ذات الجودة العالية، وأن اللغة الإنجليزية ليست لغة ثانية في البلاد بل هي لغة أجنبية من بين عدة لغات أجنبية يستطيع الطالب الاختيار منها في المدرسة الثانوية، وأن جميع المواد وفي كلّ التخصصات وفي جميع المستويات، تُدرَّس باللغة الكورية الفصيحة المشتركة. وأنَّ التعليم على نفقة الدولة. وهكذا استطاعت كوريا الجنوبية أن تحتل الرتبة 12 في سلم التنمية البشرية متقدِّمة بذلك على دول أوربية عريقة كفرنسا وإيطاليا وسويسرة. فالنظام التربوي الكوري يوفِّر تكافؤ الفرص لجميع المواطنين؛ وأصحاب المؤهلات الجادون هم الذين يديرون البلاد، وليس بفضل الطبقة التي ينتمون إليها والمدارس الأجنبية التي تعلّموا فيها.


3 ـــ السياسة الإعلامية:


إن وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية والرقمية هي التي تشيع ثقافة المجتمع وقيمه ومُثُله وعاداته، وتعزِّز المعرفة التي يكتسبها الفرد من الأسرة والمدرسة والمجتمع.


لا تسعى السياسة الإعلامية المتبعة في البلدان العربية إلى تعميم العربية الفصيحة المشتركة، كما فعلت ألمانيا مثلاً خلال القرن التاسع عشر فنجحت في نشر اللغة الألمانية المشتركة عن طريق التعليم والإعلام وترسيخ عادة القراءة لدى المواطنين، ونتيجة لذلك هُمِّشت اللهجات الألمانية التي كانت سائدة في ولاياتها المتعددة.


إن السياسة الإعلامية المُتَّبَعة في بلداننا العربية ترمي إلى قتل عادة القراءة لدى الأفراد، وبعبارة أخرى تجهيل المجتمع. ومن الإجراءات المتبعة في الإعلام العربي لتحقيق ذلك ما يلي:


أ ــ تقديم معظم البرامج بالعامّية الدارجة وليست بالعربية الفصيحة المشتركة، التي هي لغة القراءة والثقافة. إن الإذاعات ومحطات التلفزة والفضائيات والأفلام السينمائية تستخدم اللهجات الدارجة بصورة مكثَّفة. وتُكثِر كلُّ دولة عربية من استيراد المسلسلات التلفزيونية الأجنبية، ودبلجتها بلهجتها العامية، ما يرسِّخ العاميّة ويضرُّ بقدرة الفرد على اكتساب الفصيحة المشتركة، وعلى القراءة التي تتمُّ عادةً باللغة الفصيحة المشتركة، ويحدُّ من إنتاج المبدعين الوطنين كتّاباً ومخرجين وممثلين وغيرهم.  


 


ب ــ إعطاء الأولوية لبرامج الألعاب الرياضية والأغاني والرقص على البرامج التي تتناول الكتب العلمية والأدبية بالعرض والنقد وتحفِّز الجمهور على اقتنائها وقراءتها.


ج ــ خلو البرامج الإعلامية من المسابقات المعرفية التي تشجّع المواطنين على اكتساب المعارف بالقراءة والدراسة باللغة العربية الفصيحة المشتركة.


 


4 ـ سياسةُ وأدِ عادةِ القراءة في المجتمع:


القراءة هي الوسيلة الناجعة للنفاذ إلى مصادر المعلومات وتكوين مجتمع المعرفة القادر على تحقيق التنمية البشرية. ولهذا فإن الدول المتقدِّمة أو الدول التي تعمل على إحداث التنمية البشرية، تشجِّع عادة القراءة وتنشرها وتنمّيها بجميع الطرائق.


ولكن منذ " استقلال" الدول العربية في أواسط القرن الماضي، اتُبِعت سياساتٌ ممنهجة لوأد عادة القراءة وإنجاز التجهيل المطلوب. وبعض هذه السياسات موروثة من فترة خمول الثقافة العربية الإسلامية التي سادت بعد سقوط الخلافة العباسية في بغداد سنة 656 هـ / 1258 م ودامت أكثر من خمسة قرون إلى ما يسمى بعصر النهضة العربية في أوائل القرن الثالث عشر الهجري/ مطلع القرن التاسع عشر الميلادي. وتُسمَّى تلك الفترة بعصر الانحطاط.


وقد استمرَّت بعضُ تقاليد عصر الانحطاط في معاهدنا التقليدية حتى يومنا هذا. فقد يقوم المؤرِّخون والمعلِّمون بتقسيم الزمن إلى عصور أو فترات تاريخية ذات سمات مشتركة لتيسير دراسة التاريخ، ولكنَّ أفكار عصرٍ من العصور وقيمه لا تختفي فجأة عند نهاية ذلك العصر، بل هي عابرة للعصور، وتبقى حيّة ماثلة في أذهان بعض الناس بعد انقضاء عصرها، لأسباب اجتماعية وثقافية لا مجال لذكرها. وهكذا يحقُّ لهؤلاء الناس أن يُنسبوا إلى ذلك العصر الذي توارثوا تقاليده.


وفي عصر الانحطاط هذا، الذي سيطر فيه المغول والمماليك والأتراك على العالم العربي، أصيبت الثقافة العربية الإسلامية بنوعٍ من الجمود والتكلُّس، فتدنّى البحث العلمي، وخفتت شعلة الإبداع، وساد التعصّب المذهبي، وتراجع التعليم، وانحصرت الثقافة العربية في موادَ دراسيةٍ محدودة هي النحو والفقه والتوحيد، واقتصرت بنية العقل العربي على طريقةٍ واحدةٍ في التفكير هي “القياس”، الذي وقع الإفراط في استعماله دون التقيُّد بشروط صحّة هذا النوع من الاستدلال، وانتقلت هذه البنية الفكرية من عصر الانحطاط إلى عصرنا الحاضر، كما يرى المفكر محمد عابد الجابري في كتابه " نحن والتراث" ( الجابري:18) 


وأهمُّ مخلَّفات عصر الانحطاط التي استمرت في بعض المعاهد التعليمية التقليدية أو بعض خريجيها حتى يومنا هذا، وأسهمت وتسهم في دعم سياسة وأد عادة القراءة المتبعة في بلداننا العربية، ما يلي:


أ ــــ تفضيل الحفظ على الفهم: 


في عصر ازدهار الثقافة العربية الإسلامية، كان العِلم إنسانياً نفعياً يقوم على التفكير والفهم والاستيعاب والتطبيق العملي، انطلاقاً من توجيهات القرآن الكريم الذي حث المؤمنين على التفكير في الخلق والطبيعة والكون، في آيات كريمة عديدة مثل:  


(وسخَّر لكم ما في السّماوات وما في الأرض جميعا منه إنَّ في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون) (سورة الجاثية: 12ــ13)


وكذلك انطلاقاً من الأحاديث النبوية الشريفة مثل: 


((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَجَابُ لَهَا)) [أخرجه مسلم والترمذي والنسائي].


وفي عصر ازدهار الثقافة العربية الإسلامية، طوّر العلماءُ منهجيةً رصينة لاكتساب المعرفة. وقد لخص ابن عبد البرّ النمري القرطبي (368 ــ 463 ه) في كتابه " جامع بيان العلم وفضله" خطوات تحصيل العلم بقوله:


" أوَّل العلم النية، ثم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر"(القرطبي)


إلى جانب منهجيات البحث العلمي التجريبي.


ولكن في عصر الانحطاط، كاد تحصيل العلم يقتصر على خطوةٍ واحدة هي الحفظ، خاصَّة حفظ المنظومات، وأمسى هَمُّ الطلبة حفظ النصوص بغض النظر عن الفهم أو التطبيق.. ولهذا فإن الانحطاطيين اليوم، ورثوا عادة حفظ النصوص دون فهمها أو العمل بها.


 


ب ــ تفضيل النحو على القراءة في المدارس:


لقد ورثت مؤسَّساتُنا التعليمية الحالية من عصر الانحطاط ــ مع الأسف ــ تقليدَ إهمال القراءة في المنهج، وإعطاء الأهمّية للنحو والقواعد. فهي لا تخصِّص ساعات لتعويد الطلاب على القراءة والمطالعة. وتخلو غالبية المدارس الابتدائية والثانوية في العالم العربي من المكتبات التي ينبغي أن يرتادها الطلاب ويستعيرون منها الكتب التي تلائم أذواقهم وسنّهم لقراءتها في أوقات الفراغ. وإذا وُجِدت هذه المكتبات فإن وزارة التربية لا تمدّها بالمطبوعات الجديدة بانتظام. ونذكر هنا أن وزارات الثقافة في الدول الإسكندنافية، مثلا، التي لا يتعدى تعداد السكان في كلِّ دولة منها بضعة ملايين، تشتري حوالي 1000 نسخة من كل كتاب جديد لتوزيعه على المكتبات العامة التابعة لها، وهكذا تشجِّع التأليف والقراءة، في حين أن بعض الدول العربية التي يتراوح تعداد سكانها عشرات الملايين لا تشتري أكثر من خمسين نسخة من المؤلِّف الذي يلجأ إليها لدعم كتابه الجديد، وتتركها في مخازن الوزارة، وهكذا تثبِّط التأليف والقراءة.


وفي دروس اللغة العربية في مدارسنا، يوجَّه الاهتمام الأكبر لمادَّة النحو، وليس لدرس القراءة، على الرغم من أن النحو وهو مجرَّد وسيلة لتعميق فهم المقروء أو المسموع. لأن " الذي يكوّن الملكة اللغوية هو الدربة والمرانة على القراءة السليمة الكثيرة والسماع الصحيح الكثير المتكرّر. ولهذا لا نتوقع من كتب النحو أن تساعدنا على تكوين الملكة اللغوية..."، كما أكّد فقيدنا المرحوم الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف (1941 ـــ 2015م) في كتابه " في بناء الجملة العربية" (عبد اللطيف: 18ـــ 19)، وكما كان يؤكِّد المرحوم الدكتور محمد كمال بشر ( 1921 ـــ 2015م ) رحمه الله. فالحركات الإعرابية تساعدنا على توضيح المعنى، أما إذا اتضح المعنى بالقرائن المعنوية واللفظية، لم يعُد للحركة الإعرابية دور كبير، كما أوضح ذلك المرحوم تمام حسان (1918 ــ 2011م) في كتابه " العربية : معناها ومبناها" ( حسان:234 ).


 ولهذا فإن جلال الدين السيوطي (849 ــ 911ه) يشير في كتابه " همع الهوامع في جمع الجوامع" إلى أن علماء اللغة في عصور ازدهار اللغة العربية أباحوا رفع المفعول به ونصب الفاعل إذا كان المعنى واضحاً من القرائن الأخرى. وقال:


" وسُمع رفع المفعول به ونصب الفاعل، حكوا: خرق الثوبُ المسارَ، وكسرَ الزجاجُ الحجرَ... والمبيح لذلك كلِّه فهم المعنى، وعدم الإلباس..." 


ويأتي السيوطي بشواهد شعرية عديدة على ذلك ( السيوطي، ج 3 ص 8). وطبعاً هذا استثناء لا يُقاس عليه، ولكن لا يُعترض عليه إذا كان المعنى مفهوماً.


أما الانحطاطيون اليوم فما زالوا يتمسِّكون بتقاليد بالية مفادها أن النحو هو الأساس في اللغة وهو مدار درسها وإتقانها. وإذا سمع أحد الانحطاطيين جملةً فصيحة مفهومة ولم تجرِ على القواعد النحوية التي حفظها عن ظهر قلب، انتفض فرحاً كأنه عثر على ضالته المنشودة، وقاطع المتكلِّم دون اعتبارٍ لآداب الكلام أو آداب الاجتماع، من غير أن يدرك أن النحو مجرَّد وسيلة لفهم معنى التعبير، ويختلف من مدرسة نحوية إلى أخرى كمدرسة البصرة ومدرسة الكوفة ومدرسة بغداد، وأن كثيراً من خروج التعبير المفهوم عن القواعد يمكن استساغته بالتأويل والتقدير، كما يسوِّغ مجمع اللغة العربية بالقاهرة تعبير " قال أن" الذي يعدّه الانحطاطيون خطأً جسيماً، على تقدير " ذكر أن " . فاللغة وسيلة للتفاهم والتواصل، وليست لإشهار القواعد النحوية في وجوه الآخرين بطريقة فجة.


وكان العلامة ابن خلدون ( 732 ــ 808 ه/ 1332 ــ 1406م) قد سخر من هؤلاء النحويِّين الانحطاطيِّين في فصلٍ كامل من مقدِّمته الرائعة عنوانه " الفصل الخمسون: في أن ملكة هذا اللسان غير صناعة العربية ومستغنية عنها في التعليم ، والسبب في ذلك أن صناعة العربية إنما هي معرفةُ قوانين هذه الملكة ومقاييسها خاصةً، فهو علم بكيفيةٍ، لا نفسُ كيفيةٍ، فليست نفس الملكة، وإنما هي بمثابة مَن يعرف صناعةً من الصنائع علماً، ولا يحكمها عملاً..." ( ابن خلدون: ص 1081 ـــ 1084).


 فالعلامة ابن خلدون يدعو هنا الى الاستغناء عن درس النحو في التعليم، والاستعاضة عنه بقراءة نصوص النثر والشعر لاكتساب ملكة اللغة العربية، تحدُّثاً وكتابة.


ج ــ اعتبار الكتابة هي اللغة: 


من بديهيات علم اللغة الذي طوّره العلماء العرب في عصور ازدهار الثقافة العربية الإسلامية، أن الكتابة ليست هي اللغة. فاللغة كما عرّفها ابن جني ( 332 ـــ 392 ه) في كتابه " الخصائص" هي " أصواتٌ يعبّر بها كلُّ قوم عن أغراضهم.." (ابن جني، 1/34 )، وما الكتابة إلا رسمٌ لتلك الأصوات. ومعروفٌ أن في الإمكان إبداع عدّة رسوم للشيء الواحد، ومن الطبيعي أن تختلف هذه الرسوم في جودتها وكمالها، طبقاً لمهارة الرسّام المتأتية من معارفه العلمية وقدراته الإبداعية. ويشكِّل رسمُ جميعِ أصواتِ لغةٍ ما نظاماً كتابياً لتلك اللغة يمكن تطويره وتبسيطه وتوحيده. وهذا ما تسعى إليه السياسات اللغوية الهادفة إلى تطوير اللغة.


وقد خضع النظام الكتابي للغة العربية إلى عدّة تعديلات وتحسينات وتبسيطات على مرّ العصور. ولكنه في عصر الانحطاط، أصيب بالجمود فبقي ناقصاً غير موحّد في قواعده. وقد أُضفيت عليه قدسية متوهَّمة، وصلت إلى إعطاء الحروف قوة سحرية لا تمتلكها في حقيقة الأمر، وقد تطرقتُ إلى ذلك في كتابي " صناعة المعجم التاريخي للغة العربية".( القاسمي، 2014: 133 ــ 161 )


 ونظراً لذلك الجمود الذي أصاب نظام الكتابة العربية الذي ورثناه من عصر الانحطاط، نجد اختلافات عديدة في كتابتنا اليوم طبقاً لنوعية النصِّ، أو للقطر الذي تتمُّ فيه الكتابة. فمثلاً كلمة ( الرحمان) تُكتَب برسمها الكامل هذا في بلدان المغرب العربي، ولكنها تُكتَب ( الرحمن) برسمها الناقص هذا الموروث من عصر الانحطاط في بلدان المشرق العربي. ومثل هذا التفاوت كثير في الكتابة العربية، حتى في الكتاب الواحد.


ولكن إذا دعا أحدهم إلى توحيد الكتابة العربية بحيث يكون الإملاء واحداً في جميع النصوص العربية على اختلاف مواضيعها وفي جميع الأقطار العربية على اختلاف مواقعها، انتفض انحطاطيٌّ صارخاً: " لا يقول بهذا إلا كافرٌ أو مستشرقٌ". ولم يبقَ لهذا الانحطاطي إلا أن يفتي بهدر دم الرجل وتطليق زوجته. وقد نسي هذا الانحطاطي ما حفظه من القرآن الكريم مثل: ( ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومَن لم يتُب فأولئك هم الظالمون) (سورة الحجرات: 11)، ونسي ما حفظه من الحديث النبوي الشريف مثل " مَن قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما" (ابن مالك : الموطأ، الحديث رقم 1844). والانحطاطيون يحفظون النصوص، ولكن لا يعملون بما يحفظون، كما ذكرنا.


ومعروف أن تيسير الكتابة وتوحيد قواعدها الإملائية هو من الإجراءات الشائعة في السياسات اللغوية الرامية إلى تنمية اللغة وتسهيل تعلُّمها وتسريع انتشارها.


الخلاصة:


وخلاصة القول: إن السياسات اللغوية لا تُستعمَل دائماً لتطوير لغةٍ ما وترقيتها، بل قد تُستخدَم أحياناً لتهميش لغة ما وتدميرها. ويرى الكاتب أن السياسات اللغوية المتَّبعة في البلدان العربية حالياً ترمي، عن قصد أو غير قصد، إلى تهميش اللغة العربية الفصيحة المشتركة وتدميرها، وذلك عن طريق تفضيل لغة المستعمِر القديم واعتمادها لغة عمل في التعليم العالي العلمي والتقني والمؤسسات المالية والاقتصادية والحياة العامة، وتغليب العامية الدارجة في وسائل الإعلام، والتعليم، واتباع ممارسات وإجراءات تثبّط عادة القراءة في المجتمع؛ إضافة إلى أن بعض الممارسات التعليمية الموروثة عن عصر الانحطاط كإعطاء الأهمية لدرس النحو وعدم تيسير الكتابة العربية واستكمالها، تؤدي إلى وأد عادة القراءة والحدِّ من انتشار اللغة العربية بين الناطقين بها وغير الناطقين بها.


 


المصادر والمراجع:


ـــ ابن جني.1952. الخصائص. تحقيق: محمد علي النجار. بيروت: دار الكتاب العربي، عن نشرة دار الكتب المصرية.


ـــ ابن خلدون. 1967. المقدمة. بيروت: دار الكتاب اللبناني.


ـــ بجيوي، عبد الرحمن. 2011. تنمية اللغة ولغة التنمية في الوطن العربي. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.


ـــ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. 2016. تقرير التنمية البشرية: تنمية للجميع. نيويورك: الأمم المتحدة.


ـــ الجابري. محمد عابد. 1980. نحن والتراث. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.


ــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ. أبريل 2003. مواقف، العدد 14. الدار البيضاء: أديما.


ـــ حسان، تمام. 1973 . اللغة العربية مبناها ومعناها. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.


ـــ حسين، جاسم. 2017. " بطالة الشباب في الوطن العربي" في موقع: بطالة ــ الشباب ــ في ـــ الوطن ــ العربي /2017/09/03ـ


ـــ السليمان، عبد الرحمن. 2018. "دعاوى الأصول الآرامية/السريانية للغة العربية والقرآن الكريم" في :المرجعيات اليهودية والمسيحية في ترجمات معاني القرآن الكريم. تنسيق: سعاد الكتبية وآخرون. عمان: عالم الكتب الحديث.1ــ 48.


ـــ الشمري، عبيد عبد الله. 2011. " التخطيط اللغوي من الاستعمار إلى العولمة اللغوية" في   


Brahimblogspetcom.blog spot. Com/2011/07/blog.post_18html


ــــ عبد اللطيف، محمد حماسة. 1982. في بناء الجملة العربية. الكويت: دار القلم. 


ـــ الفاسي الفهري، عبد القادر. 2013. السياسة اللغوية في البلاد العربية. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة.


ـــ القاسمي، علي. 2008. علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية. بيروت: مكتبة لبنان ناشرون.


ـــ ـــــــــــــــــ . 2008. لغة الطفل العربي: دراسات في السياسة اللغوية وعلم اللغة النفسي. بيروت: مكتبة لبنان ناشرون.


ـــ ــــــــــــــــــ. 2013. السياسة الثقافية في العالم العربي. بيروت: مكتبة لبنان ناشرون.


ـــ ـــــــــــــــــ. 2014. صناعة المعجم التاريخي للغة العربية. بيروت: مكتبة لبنان ناشرون.


ـــ القاضي، هاشم بن صالح. 2017. " الاستعمار اللغوي" في:


Blogs.aljazeera.net.blogs/2017/03/11


ـــ كوبر، روبرت. 2006. التخطيط اللغوي والتغيير الاجتماعي. ترجمة: خليفة أبو بكر الأسود. طرابلس: مجلس الثقافة العام. 


ـــ المسدي، عبد السلام. 2011. العرب والانتحار اللغوي. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة.  


ـــ ويكيبيديا، https://ar.wikipedia.org/wiki/الأمية_في_الوطن_العربي


ـــ يقطين، سعيد. 2018. جريدة المساء المغربية، العدد 3528، في 2/3/2018.


ـــ اليونسكو. 2018. " اليوم العالمي للغة الأم" في موقع: اليوم ــ العالمي ــ للغة ــ الأم ــ التعدد ــ والتنمية ــ المستدامة 21/2/ 2018 

 

 

  • Encyclopédie Universalis. Les naissances de l’ẻcriture. 

 

  • L’histoire du français. thaloe.free.fr/français/histoire1.html

 

  • Loi Toubon,  https://fr.wikipedia.org/wiki/Loi_Toubon 

 

  • Philipson, Robert. 1992. Linguistic Imperialism. Oxford University Press.
  • “ Quelle politique pour le français et le plurilinguisme?” 

Fr/culture/dglf/politique-langue.htm