أصدقاء الدكتور علي القاسمي

قصة مات دُوغ بوش، ترجمة الدكتور علي القاسمي


مات دُوغ بوش

في الأدب البيئي

قصة "مات دُوغ بوش"

بقلم: حسن مكوار

ترجمها من الإنجليزية: علي القاسمي


انظر. هذه واحدة أخرى أستطيع أن أسردها عليك. ساخنة. قصّة التقطتُها قبل أقل من نصف ساعة، عندما وصلت منتصف الطريق تقريباً في مشيتي الصباحية. آه لعل كلمة قصة ليست الكلمة المناسبة هنا على الإطلاق، لأنه لم يحدث الشيء الكثير، أو بالأحرى لعل ما حدث لا أهمية له، أكثر من إطلاقه سلسلة الأفكار التي أشغلتني خلال الستين دقيقة الماضية، ويخامرني شعور قوي بأن عليَّ أن أحوّلها إلى نصٍّ " أدبي" في الحال، قبل أن يتضاءل ذلك الإحساس مرَّة أخرى. وأدرك كذلك أنه كان ينبغي عليّ أن أقول قصص بصيغة الجمع، لأنه تبين لي، حتى قبل أن أروى الحادثة التي بدأت بها السلسلة، أنني يجب ألّا أتكلم عن حادثة واحدة بل عن عدَّة حوادث، متمدِّدة، خيوط متشابكة في شلّةٍ أخذتُ أحاول حلّها منذ أن مررتُ برجل مسكين يقود عربة يجرّها حمار.

أترى، لا أدري إذا كنتَ تشبهني، فبالنسبة لي غالباً ما تلتقي الجغرافية الطبيعية مع الجغرافية العاطفية. فعندما أصل أماكن معينة في مساري المعتاد عبر البلدة الشاطئية التي أسكن فيها الآن، تنتفض فجأة ذكريات معينة في دماغي. أحداث أو وقائع كنتُ أظن أنني نسيتها منذ زمن طويل. فبعد حوالي نصف ساعة من المشي، وفي أماكن معينة، تبدأ تلك السلسلة أو الشلّة بالعمل، بحيث لا أستطيع أن أقبض على أي جزء منها دون أن أسحب تلك الشبكة من الخيوط اللزجة التي تضطرني إلى بذل الجهد في حلّها خلال ما تبقّى من مشيتي، وأحياناً خلال بضعة أيام بعد ذلك. ومن الغريب أن نفس المشاهد تثير نفس الذكريات التي تحرّك نفس البقع العاطفية.  وبالنسبة إليّ عندما أواجه، لنَقُل المناطق المضطربة، فإنها تقودني إلى الاستنتاجات ذاتها أو عدمها. وقلما أنحرف عن تلك الأخاديد التي أسلكها. ولأضرب لك مثلاً مقارناً حديثاً، فمسار مشيتي يشبه موقعاً إلكترونياً تزوره كل يوم، فمن المحتمل جداً أنك ستضغط على الروابط القديمة نفسها مرّة تلو الأخرى. دائماً.

والرابط في هذه الحالة بالذات يتألَّف من مشهدٍ رأيتُه عندما مررتُ برجلٍ مسكين يقود عربته التي يجرَّها حمار، في نفس الشارع الذي أمشي فيه ـــ فقد شاهدتُ، كما تتوقَّع، تلك الحركة المعتادة التي يستخدمها الرجل لحثِّ حيوانه على الإسراع في السير. كان الوقتُ بُعيد الضحى، وكان الصندوق المصنوع من الخشب الرقائقي والكارتون، المركَّب على عجلتَين والذي يجرُّه الحمار المُنهَك، يبدو فارغاَ مع ذلك، فليس ثمَّة كثير من الأشياء المتروكة أمام المنازل ليجمعها ذلك الرجل. لا بُدَّ أن الطيور المبكرة حصلتْ على ما وُجِد من طريدة ذلك اليوم. فكما ترى، لقد خضع الشاطئ الهادر، وهو الاسم الذي أُطلقُه على شاطئ الهرهورة، لتطوُّرَين: الأوَّل، أن مزيداً من الناس أخذوا الآن يسكنون هنا طوال العام، فيرمون أنواع الأزبال المختلفة التي يعيش عليها كثيرٌ من أهالي القرى وأحياء الفقراء المجاورة؛ والثاني أن جميع الأكواخ الشاطئية التي خلّفتْها الفترة الاستعمارية، قد أُزيلت بسرعة هائلة، وبُنيت مكانها منازل كبيرة ذات ثلاثة طوابق. ولهذا السبب، لم يعُد من النادر أبداً رؤيةُ قطعٍ من الأثاث القديمة، والأدوات الصدئة، وحتى أجزاء من الأبواب، مرمية أمام المنازل، ما جعل أبناء الأحياء الفقيرة مسرورين بالمجيءُ لجمعها. ولك أن تتصوَّر أن جميع تلك الخردة تنتهي في ورشات التدوير، أو أن تلك القطع القابلة للاستعمال تجد حياةً جديدة في الأسواق القروية وشبه القروية، التي تقع في الجهة المعاكسة من السُّلم الاجتماعي للمنطقة التي أقوم فيها الآن بإيداع هذه الكلمات في حاسوبي.

في البداية وقبل حوالي عشرين ياردة من اجتيازي العربة التي يجرّها الحمار، لحظتُ شيئاً من التوافق في إيقاع حركة الرجل والحمار أخذت أستجيب لها، وتبادر إلى ذهني أنني سأرافقهما. ذكّرني ذلك الإيقاع بمشهد آخر رأيته في البقعة ذاتها الأسبوع الماضي بالضبط، وحسبتُ أن في وسعي أن أنسج قصةً حول قطةٍ تطارد دراجةَ رجلٍ يبيع السمك. سمكٌ يحتفظ به في سلَّةٍ مغطاةٍ بالخَيش فيما كان يواصل ركوب الدراجة ويطلق صيحاته: سمك، سمك، ساردين، ساردين. الآن لا بُدَّ أنك تدرك أنه على الرغم من انتشار المحلات التجارية والأسواق الممتازة العملاقة في كل مكان، فإن هؤلاء الباعة المتجولين يجدون في المناطق السكينة ما يكفي من الزبائن لكسب عيشهم. وأحسب أن تلك القطة التي تجري وراء الدراجة، تبدو كأنها كانت تعرف من خبرتها أنه سرعان ما ينفتح شباك ما أو باب أو مرأب، وسينادي صوت امرأة من الداخل على بائع السمك ليقف عندها لترى أو ربما لتشم ما هو معروض للبيع ذلك اليوم. ما أدهشني عند رؤية القطة هو ما ارتسم عليها من ثقة بأنها ستُشبع جوعها على الرغم من المسافة الطويلة التي قطعتها دون أن يستجيب أحد لنداءات بائع السمك على دراجته.  ومهما ابتعد بائع السمك بدراجته والقطة تطارده، فستأتي تلك اللحظة، ستأتي تلك اللحظة، بعد المساومة والاختيار وتنظيف السمكة هناك في عين المكان، حين يرمي فيها الرجل بالرؤوس والأحشاء في اتجاه القطة. وخلال الدقائق القليلة التي تابعتُ فيها المشهد، ما زال الوقت مبكراً مثل اليوم، فثمة القليل من السيارات والناس، وبدا لي أنه ما زال على القطة أن تجري لمدّة لا بأس بها قبل أن يأتيها المدد. وعندما يحصل ذلك، ولأسباب تتعلَّق بعائدية المناطق، وندرة الطعام الطازج، إلخ.، فإن القطة قد تضطر حتى إلى الدخول في معركة ضروس للدفاع عن حقها في الأقدمية. تمنيتُ لو كان لدي مصوِّرة لأسجل تلك الحادثة؛ تمنيتُ لو كان في وسعي أن أجمَّد العزيمة، ذلك التعبير عن التصميم الذي ارتسم على ملامح القطة وهي تعدو خلف الدراجة، وصمودها لبذل الجهد اللازم، تعبير كأنه يقول لي: سأنجح، سأنجح، فعليه أن يتوقّف، وهو دائماً يتوقّف...

أتحدث عن تصوير بصري لأن الانسجام الحركي بين سير الحمار وحركة رأس الرجل أمامي

أثار فيَّ نوعاً من الرقص الذي ينسجم بطريقة أو بأخرى مع إيقاع مشاعري في تلك البقعة بالذات، بحيث وجدتني أنتج بحذائي الرياضي إيقاعاً خفيفاً على إسفلت الشارع حتى لحقتُ بالحيوان ورأيت الدم الجديد حيث جرح اللجام زاويتي الفم. ولحظت في الحال القروح المفتوحة على رقبة الحيوان وكتفيه؛ كان في وسعي أن أرى وحتى أن أسمع صاحبه وهو يضربه بعصاه بصورة متكررة في جميع أنحاء جسده، قبل أن أدرك أن العصا كانت مزوّدة بقطعة معدنية في إحدى نهايتيها، لعلها مخرز أو سيخ صغير أو شفرة رقيقة وربّما فتّاحة رسائل صدئة. ومن المؤكّد أن ذلك الرجل يستعمل تلك النهاية، بوصفها كلمة الحسم عندما لا ينفع الضرب المجرَّد، كما في حالة المنحدر الذي نقترب منه الآن، الذي يتطلّب بذل جهد جهيد من طرف الحيوان.

ـ لا تضربه، لا تضرب ذلك الحيوان. ألا ترى الدم يسيل منه؟

ليس هذا ما قلته ــ آسف. لم أقُل شيئاً، لا شيء على الإطلاق. وأسرعتُ قُدماً، وأنا أتساءل لماذا لم أقُل أي شيء، فقط لأجد في شلّال الأجوبة الممكنة، جميع أنواع التبريرات التي غدت أكثر مناعةً كلّما اتسعت المسافة بيني وبين المشهد الحزين. وهذه الأفكار قادت إلى أفكار أخرى، قبل أن تعود لتؤرِّقني الآن، وستبقى تضايقني حتى أضعها على الورق مكتوبة، أو أُبعِدها بالكتابة.

          ـ نعم، سيدي. آسف، سيدي.

أواه، لا. ليس ذلك محتملاً على الإطلاق. فليس الرجل من ذلك النوع الذي يستعمل مثل هذه العبارات المتمدِّنة أو حتى يعرفها. فأنا متأكد أنه لم يتعلّم أبداً. فالكلمات التي وصلتني لم تصدر عنه. وإلا لما استعمل أداة التعذيب تلك على ذلك الحيوان الذي لا حيلة له. فالضرب بالعصا على القروح المفتوحة سيء بما فيه الكفاية، أؤكّد لك. ولكن ذلك الشيء الحاد، يا إلهي، وكل تلك الجراح؛ كيف يستطيع أن يقول آسف إذا كان حتى لا يعلم أنه يفعل أي شيء خطأ؟ حاولت أن أقنع نفسي بأنه حتى حينذاك، حتى إذا فتح عينيه فجأة، ورأى أن ما كان يفعله سيصدم أناساً مثلنا، فأنا متأكد بأنه سيعود إلى نفس الأسلوب حالما أبتعد عنه.

وفكرتُ أن الاحتمال الأكثر أن ردّ فعله سيكون: ـ ماذا؟ أنتَ تكلمني؟ لا يهمُّك ذلك! إن بنيته الجسمية بالمقارنة مع بنيتي، والحملقة الشريرة في وجهه، وبالتأكيد ذلك الشيء الذي يمسك بيده، أثارت في نفسي الحزينة رد الفعل الممكن الوحيد: انتبه. أنت تحت ما يكفيك من الضغط، والشارع فارغ في هذا الوقت من النهار، وأنت لا تحمل معك أبداً هاتفاً خلوياً لطلب المساعدة عند الضرورة، ولماذا تتدخَّل فيما لا يعنيك، إضافة إلى تحذيرات مماثلة.

أو قد يكون السكوت ردُّه الوحيد على عتابي غير المنطوق، مجرد نظرة فارغة على وجه فارغ، وجه ونظرة لا يختلفان عن وجه حيوانه البائس ونظرته، ربما يعبّران عن شقاء أكبر، خلافاً للحيوان، لأن الرجل يدرك جميع المشاكل المتعلقة بمستلزمات جهاده اليومي من أجل تأمين معيشته.

ما الفائدة؟ ما الفائدة؟ ...

ووجدتني أُقلِّب ذلك السؤال في فكري، فيما كنتُ أزيد من سرعة مشيي: يا صاحب الفم الكبير. إذا كنتُ تريد أن تفعل الخير، فلماذا لا تمد يد المساعدة ـ وفي وسعك أن تتصدّق، وتخلِّص ذلك الحيوان من العذاب المستمر. وسرعان ما وصلني الجواب البديهي: نعم صدقتي يمكن أن تحسّن حياة ذلك الرجل لأيام قليلة أو ربما لأسابيع على أحسن تقدير، ولكن ماذا عن الحمار؟ سيُباع ذلك الحيوان مرة بعد أخرى، وحتى العربة ستُستعمَل، ومالم أشتريه من ذلك الرجل بنفسي، وأصطحبه إلى الطبيب البيطري بنفسي كما لو كان حيواني الأليف المدلَّل، فإن لا شيء سيغير وضعه، وحتى لو كان ذلك ممكناًــ تصوَّر فقط ذلك الحيوان في ساحة منزلي الأمامية، والنهيق بين الفينة والأخرى، وتشكّي الجيران ــ وحتى لو أستطيع أن أنقذ فرداً واحداً، فماذا عن جميع الاخرين الذين هم في نفس الوضعية؟ الآخرين الذين لا حصر لهم.

وهكذا ترى، أن هذا الشغل أو الانشغال، بدون تكاليف جارية أو ضرائب أو أي شيء آخر، مجرد الاستثمار الأولى في اقتناء ذلك الحيوان المتواضع وفي تلك العربة المصنوعة من حزم مستعملة وأنابيب معدنية وعجلتين في أواخر عمرهما الرابع، وصندوق من الورق المقوّى، يجرّها كلا الرجل والحيوان من شروق الشمس إلى غروبها ـ شيء سهل بما فيه الكفاية، لاحتراف هذه المهنة هنا وفي البلدان الأخرى التي تسمى بالعالم الثالث، من قبل أناس لا يملكون شيئاً على الإطلاق، ومنعَتهم كرامتهم من التسوّل. ينبغي أن تتولّى الحكومة، وليس فرداً واحداً، أو إدارة خاصة بمنع تعذيب الحمير والبغال. ولكن أي وزير أو حزب سياسي أو تنظيم غير حكومي يجرؤ أن يقترح مثل هذا الإجراء الذي سيقابل بكثير من السخرية والاستهزاء، والذي سيؤدي عند تطبيقه إلى صعوبات اقتصادية عند ضياع مئات الآلاف من أسباب المعيشة التي يوفّرها ذلك النشاط؟ سيكون ذلك الإجراء مثل قرار منع التسوّل والاستجداء هنا. حاول وسترى!

لا تضربه، لا تضرب الحيوان، إنه ينزف دماً.

ليس ذلك ما قلتُه. لم أقُل شيئاً ـ آسف ـ لا شيء على الإطلاق، وأسرعتُ لأدفن رأسي في حاسوبي، كما أخبرتك. ولكن ذلك المشهد جعلني أتذكر ذلك الوقت، أو تلك الأوقات، التي كنتُ فيها، كما تعلم، قبل أربعين سنة، أخرج مع مارلا. أتذكر مارلا؟ كانت أكبر مني بقليل آنذاك، وهي مُحِبَّة للحيوانات بحماس، ولا تتردد أبدا في إيقاف مثل أولئك الناس وزجرهم، تماماً مثل ذلك الرجل الذي أثار فيَّ ذلك الانفعال الهادر هذا الصباح. دعني أخبرك أنها في بداية إقامتها في هذا البلد ـ فقد كانت تدّرس اللغة الإنجليزية في مدرسة ـ كانت أول جملة تعلّمتها أو حاولت تعلُّمها باللغة الدارجة تبدو مثل " مات دوغ بووش"، " مات دوغ بووش" (وتعني: ما تضربوش)؛ ولكن بالنسبة لأولئك الذين لم يخاطبهم أناس مثلنا إلا نادراً، ناهيك بامرأة أجنبية شقراء، فإن هذه العبارة تبدو مثل بربرة.  وبوجهها ذي الفم المفتوح الذي تنبعث منه جميع ألوان الاستياء والغضب، لا يملكون إلا أن يحدّقوا فيها. أذكر المرات العديدة التي صرخت فيها مارلا على صاحب حمار أو بغل. فيتلفَّت هؤلاء الرجال المساكين يمنة ويسرة وإلى الخلف، ليروا ما إذا كان هناك شخص آخر مقصود بهجومها، فيما أجلس أنا صامتاً في السيّارة.  أنا متأكِّد أن لا أحد منهم استطاع أن يفهم بأنها كانت تحاول أن تتكلَّم معهم وبلغتهم لتأمرهم بالتوقُّف عن ضرب تلك الحيوانات السيئة الحظّ التي يركبونها أو يجرّونها وهي تحمل أو لا تحمل أطناناً من الأثقال على ظهورها.

ذات مرّة عندما كنا ما نزال معا ــ استمرت ما يمكن تسميتها بعلاقتنا حوالي سنة قبيل أن ألتقي بالمرأة المرهفة الإحساس التي كُتِب لي أن أرافقها في رحلةٍ سعيدة بطريق لمّا تنتهِ بعد ــ كانت مارلا على وشك أن تورِّطنا معاً في مأزق بغيض، عندما أوقفت سيّارتها ذات صباح في وسط شارع مزدحم، وخرجت من السيّارة محاولةً أن تنتزع بالقوة عصا ثقيلة قبيحة من يد رجل كان مستغرقاً منذ عدّة دقائق مزعجة في ضرب حيوانه الذي حَرُنَ في ذلك السوق السياحي المكتظ فيما كنا نزوره.

بيدَ أنّه من حسن حظ مارلا ـ ومن حسن حظي كذلك، فقد كنتُ في الحقيقة في حيرة من أمري: هل ينبغي عليَّ أن أتدخل أو لا ـ أنَّ المقيمين الأجانب في بلادنا كانوا يتمتعون في ذلك الوقت بامتيازات أقرب ما تكون إلى الحصانة. ولهذا فإنَّ عديدين في الزحام أسرعوا بصورةٍ تلقائية لمنع ذلك المواطن الغاضب من تحويل عصاه من البغل إلى رأس السيدة الصغيرة. مَن الذي كان سيصدِّقه إذا ما قام بدفع المرأة بعنف أو أسقطها أرضاً وهو يصرخ: اتركيني لسبيل حالي، أيتها الفاعلة التاركة؟ مَن الذي سيصدقه إذا ادَّعى أن تلك المرأة المجنونة أوقفت سيارتها، وخرجت منها، واتجهت نحوه وهاجمته دون أيِّ سببٍ على الإطلاق؟ دون أي سبب في مقدوره أن يدركه، وطبعاً لم يستطِع أن يفهم حينذاك، بل ربّما لا يستطيع أن يفهم حتى اليوم إذا كان ما يزال حيّاً: لماذا خرجتْ من سيارتها، وعرقلتْ حركة المرور، ورمتْ بجسمها الصغير عليه، وهي ترتعد غضباً، محاولةً إيذاءَه؟ وما فعله هو مجرَّد إبعادها عنه. كانت ستذهب جميع شروحاته وتوسلاته سُدىً، وهو في طريقه إلى مركز الشرطة، بسبب الفارق الفاضح بين المتخاصمَين في الحجم، وبسبب مليون شيء آخر.

وعندما تذكّرت عبارة " مات دوغ بووش" القديمة، تداعت أفكار أخرى في دماغي، واختلطت بذكريات حياةٍ، في وقت أقف على عتبتها وقد أصبح معظمها الآن ورائي. ومن هذه الذكريات، شغلني استعمال جديد لصورة تلك القطة، التي ذكرتها قبل قليل، وهي تواصل الجري وراء دراجة صياد السمك. فأنا في نهاية الأمر، لم أرَ إلا فرقاً قليلاً بين وضعي آنذاك وبين القطة التي كانت تجري وراء سمكة مفترضة. فقبلَ أربعة عقود من الزمن، كنتُ أجرى وراء شيء كانت له جاذبية قوية تماماً مثل سمك الساردين للقطة السائبة في ذلك الشاطئ الهادر. كنت مدفوعاً بجميع الدروس التي علّمتني أمي عن الحياة، وأنا كلي ثقة وأمل، نحو هدفٍ أسمى وهو أن أكون مؤثّراً في الحياة وأُحدث فرقاً فيها، وكنتُ أقول لنفسي: ستصل إلى هناك، ستصل إلى هناك، دون أن أكون قادراً على تعريف " هناك ".  عندك القدرة على اتخاذ القرارات الصائبة، ولديك التعليم الجيد، فقط كُن حذراً.  وكِن متحفِّظاً. وأخيراً عندما وصلت إلى هناك، وجدت أن السمكةَ متعفِّنة.  وهكذا أضعتُ جميع الوقت في السعي لتحقيق أهدافي، وفي الدفاع عنها. واستنفدتُ جميع طاقتي في محاولةٍ لتغييرِ أشياءٍ لم أكُن أملك وسائل تغييرها، ولم أكن قادراً على التحرُّك بنفسي، تماماً مثل ذلك الحمار بدون استنهاض قاسٍ.

وطبيعي أن جميع ذلك التفكير، الموضوع بين قوسين في كل نهاية من نهايتي نفق الأربعين سنة من احتجاجات "مات دوغ بووش" المنطوقة والصامتة، جعلني طوال ما تبقى من مشيتي مشغولا بحلِّ كتلةِ خيوط الذكريات، ثم تغطية ما أنبشُ منها بالتراب. ولنتحّدث يا صديقي عن مادةٍ للأدب، أو مادةٍ لمحكمة جنائية، حتى لو كانت مُتَخَيَّلَة. محكمة الضمير الإنساني. كيف تُعِدُّ مرافعةً للدفاع عن جميع ما لم تفعله في حياتك. وما يهمني خطّان للدفاع، مثل خطَّين للحياة، هما كل ما أستطيع أن أعتمده الآن.

في الخط الأول، كنتُ سأحاول أن أبرّر الفعل أو اللافعل بالحالات التي شهدتُها طوال حياتي. وعندما لا يتكلّم الملايين، ولا يسمعون، وحتى لا يرون، فإنَّ صمتك يا صديقي سيجعل منك خبيراً من نوع ما في هذا الشيء الذي يُسمّى بالتعذيب، سواء استُعمِل مع الحيوانات أو مع البشر، وسواء استُعمِل في العموم أو الخصوص، في العلن أو الخفاء.

وفي الخط الثاني، يا صديقي، الخط الثاني من الدفاع أو الإنقاذ في هذه المحاكمة المتخيَّلَة، سيقلب الوضع، ويجعلني أقف شاهداً على جميع أولئك الأحياء أو الموتى، البعيدين أو الذين ما زالوا قريبين، أولئك الذين وضعوني مجازيا في موقف ذلك الحيوان المعذَّب. وقد أفعل ذلك على شكل حوار داخلي أو حتى مسرحية، عندما يحين الوقت لذلك، قبل موتي. أما الآن فدعني أقول لك إنني لا أميل إلى الحفر أكثر من اللازم.

انتهت

***

الأدب والبيئة

د. علي القاسمي

1948 حسن مكوارفي أواسط القرن العشرين، كان الاقتصاديون يعملون بمفهوم " التنمية الاقتصادية" الذي يقيس تقدُّم البلاد بالزيادة السنوية في إنتاجها القومي، ومعياره معدّلُ دخلِ الفرد. فالهدف هو نمو ثروة البلاد بحث يكون معدل الزيادة السنوية فيها أعلى من معدل الزيادة السنوية في سكّانها.

 وفي الثلث الأخير من القرن العشرين ظهر مفهومان:

الأول، حركة " الخضر " التي تجسّدت في جمعيات وأحزاب سياسية في أوربا وكندا وأستراليا، أي البلدان الصناعية. وتدعو حركة الخضر إلى المحافظة على الطبيعة، والاهتمام بالبيئة، والحدّ من التلوّث الذي تفرزه المصانع.

الثاني، مفهوم التنمية البشرية، الذي يقيس تقدُّم البلاد لا بنموها الاقتصادي، بل برقيِّ حياة المواطن فيها، بحيث أصبح الإنسان محور التنمية وهدفها ووسيلتها في آن واحد. وابتداءً من سنة 1990، أخذت منظمة الأمم المتحدة تُصدِر تقريراً سنوياً بعنوان " تقرير التنمية البشرية لعام ـــ". ويقيس هذا التقريرُ التنميةَ البشريةَ، بثلاثة مؤشِّرات: التعليم، والصَّحة، وكفاية الدخل الفردي لتأمين معيشةً تليق بالكرامة الإنسانية. وروَّج هذا التقرير لمفاهيم أخرى في مقدمتها مفهوم " التنمية المستدامة" أي استخدام الطبيعة (الأرض، الماء، الهواء، العناصر الأخرى في البيئة) في عملية التنمية بصورة عقلانية تلبّي احتياجات الحاضر، دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها.

ونظراً لتبادل التأثير والتأثُّر بين الدراسات الإنسانية، سرعان ما ظهر في الأدب، أواخر القرن العشرين، مفهوم " النقد الأدبي البيئي" الذي يُعنى بدراسة الطبيعة والبيئة والمكان في النصوص الإبداعية. وجاء هذا المفهوم بعد ما يسمى بأدب ما بعد الحداثة.

وإذا كان بعض أعلام النقد الأدبي البيئي في الغرب يشيرون إلى أننا ينبغي أن نتلمَّس أصوله في نتاج شعراء الحركة الرومانسية في أوربا خلال القرن التاسع عشر، لعنايتهم بوصف الطبيعة وجمالها؛ فإن الشعر الجاهلي مليء بوصف الطبيعة والبيئة: رمالها، ونباتاتها، والناقة أو الفرس التي يركبها الشاعر، وأطلال منازل الحبيبة التي تشبه المها في لفتاتها وجيدها وعينيها، إلخ. أليس الأدب محاكاة للطبيعة والحياة؟!

ومنذ أن حصل صديقي وجاري الدكتور حسن مكوار على الدكتوراه في الأدب الأمريكي من جامعة براون في الولايات المتحدة في أواخر السبعينيات، وهو يسكن في شاطئ الهرهورة بالقرب من العاصمة المغربية، الرباط. وقد نما لديه ولع شديد ببيئة ذلك الشاطئ الذي يقع على المحيط الأطلسي، بجميع عناصره: الناس بمَن فيهم المشردون، والحيوانات الداجنة والسائبة، والنباتات، والطيور البحرية والبرية، والطبيعة الخلابة. وقد تمثَّل هذا الولع في جميع أعماله الفنية: الشعر، الرواية، القصة، والرسم. علما بأن دافعه الأول لإبداعه ليس " النقد الأدبي البيئي" بل حبّه للشاطئ الذي يسكن فيه.  بيدَ أن إنتاجه الأدبي كلَّه باللغة الإنجليزية. وقد لفتت انتباهي قصته القصيرة " مات دُوغ بوش" التي نشرتها مجلة Mizna الأمريكية في عددها الصادر في 8/2/2017، فترجمتُها إلى العربية، آملاً أن تعجب القارئ الكريم كذلك وهي بعباءتها العربية.

المترجم

 


    تعليقات (26)

    1.  

    قرأت القصة او هذا المونولوج الذي يعتمد على مشاهد متداخلة من الذاكرة. الأدب البيئي غالبا ما يتقاطع مع ادب الكوارث. اما بمعنى المحافظة على البيئة فتوجد مجموعة اعمال سوفييتية بشكل اساسي. فقد كانت النظرة المادية تعطي للطبيعة اهمية فوق علاقات المجتمع. و هذه ملاحظة استغربها من السوفييت الذين كان هدفهم اقامة جنة للانسان على الأرض. برأيي ان العودة للطبيعة و الطفولة نوع من الهروب من الواقع و همجية الحرب و النتائج الكارثية للحرب الباردة التي خسروها بامتياز. و انا اقول ذلك من باب الحقيقة و ليس النقد و الهجوم. ثم خروتشوف اول من انتقد الارث الستاليني الذي ادان الحب و جرمه كما يشاع بالخطأ و التجني.
    يوجد خطأ طباعي و هو المناطق السكينة. طبعا المقصود السكنية الا ان كان الدكتور المترجم لديه شيء اخر في ذهنه.
    وشكرا

    1.  

    صديقي العزيز العالم الأديب الدكتور صالح الرزوق حفظه الله ورعاه وحقق مناه.

    أشكرك من القلب على إطلالتك البهية على ترجمتي لقصة الصديق الدكتور حسن مكوار. كما أشكرك على تكرمك بلفت انتباهي إلى أبواب مثيرة في النقد الأدبي البيئي مررتُ عليها ولم ألجها.

    أما تفضلك بتصحيح الخطأ الطباعي "المناطق السكينة" فيستحق أكثر من شكر، لأنني على الرغم من مراجعتي للنص وتدقيقه عدّة مرات، فقد فاتني ذلك الخطأ الذي اكتشفتَه أنتَ بعين الناقد البصيرة.

    تمنياتي لك بالصحة والخير والهناء.
    محبكم: علي القاسمي

    1.  

    رائعة هذه العيون المتأملة وهذا التساؤل المستدام حوالي الكاتب، وزاد الأمر روعة بصمة مترجمنا المبدع الدكتور علي القاسمي...يبدو أن للبحر نسائم ملهمة، أتمنى أن التحق بجواركم أنتم والاستاذ حسن مكوار...فأنا أيضا أصبو لإخراج ما عندي من مكنونات... :)

    1.  

    صديقي العزيز المترجم الأديب مصطفى شقيب.
    شكراً لكلماتك الطيبة. أنت أقرب إلينا أكثر مما تتصوَّر، فأنت في فكرنا ووجداننا من خلال إنتاجك الأدبي الجميل. وأنت هزار مغرِّد أينما كنتَ وحيثما حللتَ، تصدح بألحانك الرائقة إن كنتَ على شاطئ البحر، أو في خميلةٍ ببستان، أو على قمةٍ من قمم الأطلس الشماء.
    معزّكم : علي القاسمي

    1.  

    ما أجمل هذه القصة القصيرة البارعة في التقاط التفاصيل الصغيرة من حولنا التي لا يكاد يعبأ بها أحد، إذ تسلط عليها الضوء وتجعلها معادلا موضوعيا لما يعتمل في دواخلنا ويختلج في أعماقنا. وزاد من روعة التصوير وإبداع التخييل مهارة الدكتور علي القاسمي الذي أضفى على القصة ألقا فوق ألقها، ولم يجعلنا نشعر في معظم مفاصل القصة أنها قصة مترجمة، بفضل تمكنه من إيجاد المكافئات الثقافية الملائمة للذائقة العربية، نحو تعبيره ب(الفاعلة التاركة) عن السب المقذع الفاحش باللغة الإنجليزية. تحية للدكتور علي القاسمي، وتحية لإبداعه في شتى مجالات القول الجميل والكلمة المبدعة.

    المفكر الأديب الدكتور كيان أحمد حازم
    أشكرك على تحليلك النقدي العميق الذي حدد أهم التقنيات السردية التي استخدمها الدكتور مكوار، فهو أستاذ متمرس في النقد الأدبي.
    وشكراً لإطرائك الكريم على ترجمتي، وهو إطراء أعتز به لأنه صادر من علم من أعلام الترجمة، حاز عدداً من جوائزها الكبرى.
    أما التعبير الذي لفتَ انتباهك، فقد شجعني على استثماره أنه مستعمل في الدارجة المغربية.
    أكرر خالص شكري وأطيب تمنياتي لك بالصحة والخير والهناء.
    محبّكم: علي القاسمي

    1.  

    جميلة جدا القصة ذات الابعاد المتعددة ، جعلتني اصول واجول في عوالمها المتعددة المرتبطة بالطبيعة على العموم والانسانية والحيوانية منها على الخصوص ، وكذا المرتبطة بالفكر على العموم والادب على الخصوص، وفي كليهما يبدو الانسان عنصرا اساسيا لانه هو المحرك لكليهما.

    عزيزتي الأستاذة الأكاديمية القديرة الدكتورة نزهة بوعياد حفظها الله وأسرتها العزيزة،
    أشكرك على تفضلك بالتعليق على قصة صديقنا المشترك الدكتور حسن مكوار. ولعل ذائقتك الشعرية ونقدك المتميّز للشعر هما سرُّ إعجابك بهذه القصة. فكاتبها شاعر مبدع، فأضفى على مضمونها وأسلوبها شعرية عالية.
    مودتي واحترامي.
    علي القاسمي

    1.  

    قصصك وترجماتك تحف فنية وحكم خفية وشاعرية جلية

    صديقي الإعلامي الأديب المتألق الأستاذ عبد الحكيم أحمين،
    أشكرك على تعليقك البليغ الكريم.
    ويحضرني أنَّ البلاغيين في تراث العرب اشتغلوا كثيراً على العلاقة بين المعنى واللفظ في النصوص الإبداعية. وقسّموا هذه العلاقة على ثلاثة أنواع:
    أـ المـســـاواة: التعبير عن المعنى المُراد بألفاظ مساوية له.
    ب ـ الإيجاز : تأدية المعنى بعبارة ناقصة عنه، مع وفائها بالغرض.
    ج ـ الإطناب: تأدية المعنى بألفاظ زائدة عنه، مع الفائدة.
    ووصفوا الكاتب المتمكِّن من الإيجاز بالبلاغة.
    فأنتَ رجلٌ بليغٌ حقاً، مع التهاني والمودة والاحترام.
    محبكم: علي القاسمي

    1.  

    أخي الحبيب تحيه طيبه
    ذكرتني هذه القصه الرائعه بموقف مشابه حيث كنت أسير في أحد شوارع الديوانية بدايه التسعينات ورأيت أحد الشباب صاحب عربه وهو يضرب الحصان الذي يجر العربه فنهرته بشده فما كان من صاحب العربه إلا وأخذ يضرب الحصان بقوه وهو يقول له كل ما أضربك يطلعون لك أقرباء
    وأنت تعرف التلميح!؟

    شقيقي الحبيب أبا أسامة حفظه الله ورعاه،
    أشكرك على تعليقك الكريم. ولمداعبتكَ أقول:
    الحمد لله أنَّ العربة كان يجرّها حصان. فالعرب تحب الخيل وتعدّها من الأهل والأقرباء، فقال شاعرهم:
    إذا ما الخيلُ ضيَّعها أناسٌ ... حميناها فأشــركتِ العيالا
    نقاسمها المعيشةَ كلَّ يومٍ ... ونكسوها البراقعَ والجلالا
    ولمحبّتهم الخيل أطلقوا اسم الجواد على بعض مواليدهم من الذكور، وكنّوا الكريم بالجواد أو بالعكس.
    تمنياتي لك وللأهل الأعزاء بالصحّة والخير والهناء.
    أخوك علي

    1.  

    ما شدني في النص كثيرا ..الأسلوب من خلال الفلاش باك( flash back ) أهو الأسلوب الحر الدي سبق و لمسته قديما في قصة martin gray
    ( au non de tous les miens).
    التحول من لقطة لأخرى في نفس السياق..أسلوب يجعلك أمام شاشة أو بالأحرى الة تصوير تلتقط كل التحركات و التعابير ...من أجل إيصال الفكرة...تاخد بيد القارىء وتضعه اين يريد الكاتب....
    النص لمحة من سيرة ذاتية ركز فيها الكاتب على لقطة معينة استرجع بها دكريات وأحلام و مشوار حياة و علاقات إنسانية...
    نوستالجيا المكان ...في حد ذاتها فكرة ...تعبر عن كل ما يحن له الكاتب....صورة العربة و الحمار و صاحبه...بغض النظر عن الهدف البيئي... رأيت فيها الألم الخفي ...الدي تتقاسمه الكائنات إن نبش نفس الجرح سواء بالضرب أو بالكلام .
    الجري وراء الاحلام باصرار كقطة بائع السمك...
    الكون بكائناته نفس الدائرة...نفس الهدف نفس الاحساس ...فقط تختلف العوالم التي ننتمي إليها.
    فقط شيء اختلف في النص..الجرأة على التفاعل.. من خلال السيدة الأوربية ...او ربما شجاعة الغير العارف بردة الفعل ...
    كل هده الارتسمات شاركت في إبراز ما خلق من أجله النص ...وخصوصا حينما تم التطرق إلى تكوين هيئة لحماية " الحمير" الهدف الدي تتمحور من خلاله فكرة النص ...تطور القيم و المفاهيم...حول بيئتنا......
    اصلا الأديب ابن بيئته...؟؟؟!!!

    عزيزتي القارئة الحائرة حفظها الله ورعاها،
    أعتذر عن التأخر في إزجاء الشكر إليك. والسبب في ذلك أنني كتبتُ عبارات الشكر والثناء على تعليقك الكريم قبل ثلاثة أيام، وظهر ردي أمامي؛ ثم فؤجئت اليوم بعدم وجوده. إنها التقنيات الحاسوبية التي لم أتمكّن منها بعد. فعذراً، والعذر عند كرام الناس مقبول، كما يقول المثل.
    أذكر أنني كتبت ما معناه، أن تعليقك نص جميل يذكرني بنصوصك الأدبية الأخرى التي كلما قرأت أحدها إلا قلتُ في نفسي: متى ستقدِم هذه المبدعة على جمع نصوصها الجميلة في كتاب ونشره؟
    مع أطيب متمنياتي لك بالصحة والخير والهناء.
    علي القاسمي

    استادي الفاضل ...لا داعي للاعتدار...فكونك فسحت لي المجال لقراءة ابداعاتك وان أشارك بارتساماتي التي لا ترقى حتما لمكانتك العلمية الأدبية...فهو شرف لي .
    وتبقى نصوصي الأدبية...كلمات خجولة اعبر من خلالها كلما سنحت لي الفرصة .
    تحياتي استادي الكريم.

    1.  

    مرحبًا عالمنا الكريم الفاضل.
    شكرًا جزيلًا لكم، أبدعتم وتبدعون، رائعة أخرى، تظهر الترجمة المفهومية التي تتجلى فيها قدرة اللغويّ المصطلحيّ، لتأخذنا بسرعة إلى عالم الخيال؛ بما انمازت به من دقّة التصوير والإدراك، حيث مكنتنا من النظر إلى الأحداث، واحتالت علينا بين أن تكون بقلم صاحب القصة أم بقلم مترجمها المبدع...
    دمتم بخير وصحة وهناء عالمنا الكريم.

    1.  

    عزيزتي اللسانية الأديبة الأستاذة سهاد حسن،
    أشكرك على إطلالتك البهية على قصة صديقي الدكتور حسن مكوار.
    أغتنم هذه الفرصة لأزجي لك التهاني مرة أخرى بمناقشة رسالتك للماستر الشهر الماضي حول " المنحى الاجتماعي في أعمال القاسمي المعجمية والمصطلحية" ونيلها أعلى درجة تقدير من جامعة بغداد. والتهاني مرة أخرى بمناسبة اتفاقك مع دار نشر أردنية رفيعة المكانة على نشر هذه الرسالة، ودور النشر نادراً ما تنشر رسائل الماستر.
    تمنياتي لك ولعائلتك العزيزة بالصحة والسعادة.
    علي القاسمي

    1.  

    قصة مؤثرة جدا. اجتمعت فيها كثير من الخصال الجمالية والبلاغية، وجسدت مرارة الواقع بعمق وتفرد. الترجمة قمة في الروعة فهي تصدر عن خيال مبدع أصيل. إنها نبض آخر يسكن في وجدان القارئ. بارك الله في أدب أخي الغالي الأستاذ الدكتور علي القاسمي وعلمه. محبكم د. الحسن.

    صديقي العزيز الناقد الأديب المتألق الدكتور الحسن الغشتول،
    أشكرك من صميم الفؤاد على كلماتك الطيبة التي أعتز بها بحق القصة وترجمتها، وآثرت أن يكون الشكر لك على شكل خبر يدخِل الفرحة والسرور على قلبك النابض بالمحبة والوفاء، ومفاده :
    إن طبعة جديدة لروايتي " مرافئ الحب السبعة" ستصدر في بغداد قريباً، وهي تحمل على غلافها اللوحة الرائعة التي أبدعتها صديقتك الشاعرة الروائية الرسامة المرحومة زهرة الزيراوي، بعد أن قرأت الرواية في طبعتها الأولى.

    محبكم: علي القاسمي

    1.  

    ترجمة رائعة من أديب قدير واكاديمي متمرس في البحث العلمي تشكر التفاتتك لهذا النوع من الادب
    تحياتي
    قصي عسكر 

    1.  

    الأديب العربي الكبير الأستاذ قصي الشيخ عسكر
    شكراً جزيلاً لتكرمك بالاطلاع على القصة والتعليق عليها. وقد سعدتُ بأن تكون أنتَ وصديقك الناقد الكبير الدكتور صالح الرزوق قد اطلعا على القصة.
    محبكم: علي القاسمي

    1.  

    كم أنا سعيدة أن يجتمع عالمان كبيران في عمل مشترك واحد , إذ مازال صدى قصيدة الدكتور حسن مكوار ( سحر الذاكرة ) يرنو في مسمعي , واليوم يطلُّ علينا من جديد بهذه القصة الرائعة , والأروع أنّها من ترجمة العلاّمة الكبير الدكتور ( علي القاسمي ) الذي يتحفنا بكل ماهو جديد في مجال اللغة والأدب والنقد , وشكرا لهذه الدراسة المعمقة عن الأدب والبيئة , والذي لفت نظري عنوان القصة (مات دوغ بووش) فهو أقرب إلى النحت في بعض اللهجات والتي ذكرها د. حسن مكوار في لغة البربر, و فِي بَعْضِ لَهْجَاتِ أَهْلِ العِرَاقِ، يقولون ( بلابوش ) بفتح الباء الثانية وضمها ولا يعرفون من معناها سوى الزجر والدعاء على المخاطب , ومن الطرائف فيما يذكر بهذا الصدد , أَن الناس لما نزلت بهم الشدائد من العوز والخوف أبان الحرب التي قادتها أمريكا على العراق بعد غزو الكويت ؛ قالوا : هذا ماتنبأ به أجدادنا ؛ إذ حاق البلاء بنا بسبب الرئيس الأمريكي و الحقيقة إنّ هذه العبارة ( بلابوش ) مكونة من كلمتين (بلاء ) و(بوش ) فالمعنى دعاء على المخاطب بأن يبلى بأمر عظيم, وشدة كبيرة ,.وَجَاءَ فِي (الصِّحَاحِ) فِي مَعْنَى البَوْشِ: "الجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ المُخْتَلِطِيْنَ. يُقَالُ: بَوْشٌ بَائِشٌ". وسأضمن العبارتين ( مات دوغ بووش ) ,و( بلابوش) في كتابي التأثيلي إن شاء الله. حفظكما الله تعالى وبارك فيكما ودام ألقكما. تلميذتكم بتول الربيعي .

    زميلتي العزيزة اللسانية الأديبة المتألقة الدكتورة بتول الربيعي،
    أشكرك على إطلالتك البهية على القصة وعلى المعلومات التأثيلية الممتعة التي وردت في تعليقك الكريم.
    ولا شك أنك تعلمين أن الشين تُلحق بالأفعال المنفية في عدد من اللهجات العربية، ومنها العراقية والمغربية.
    تمنياتي الحارة لك بموصول الإبداع والنشر وموفور الصحة والخير والسعادة.
    علي القاسمي

    1.  

    شكرا الدكتور علي اقاسمي على هذه الترجمة السليمة لقصة الأستاذ الشاعر والقصاص حسن مكوار.
    هناك مداخل متعددة لمقاربة هذه "القصة- القصص"، كما دعاها السارد المؤلف. ولكنني سأركز فيها فقط على جنس الكتابة السردية، وعلى المحكي الذاتي، والعلاقة بين الإنساني والبيئي، والحيواني بخاصة.
    اولا، الكتابة السردية:
    يبدو أن السارد كان في حيرة تجنيسية لما كان يفكر في تسجيل المشهد الذي كان يلاحقه يوميا، حتى اصبح معروفا لديه مثل اي موقع من مواقع الانترنت الذي تعود على استخدامه، فاهتدي في لحظة ما، لحظة كتابته لهذه القصة، اي لحظة الإبداع التي امسك بها وصاغها في جنس السرد القصصي. وهنا توقفنا القصة على حافز الإبداع وكيف بتم. لقد تم الابداع- الكتابة هنا لما شعر بان مشهد "رجل مسكين يقود عربة يجرها حمار". هذا المشهد الذي قدح زناد الكتابة عند المؤاف، وسلم الامر للسارد المؤلف في نفس الوقت، يتحدث بضمير المخاطب، للصديق او للقارئ يخبره برعشة الإبداع وتشابك المشهد في ذهنه، حتى تماهى معه جسديا وعاطفيا، اي تماهي "الجغرافية الطبيعية بالجغرافية العاطفية"، حسب تعبير السارد المؤلف. وهنا نسجل تماهي الإنساني بالبيئي حسب تعبير النقد البيئي، الذي يصبح فيه الكائن البشري كاي كائن حيواني في الوسط البيئي.
    كيف اهتدى المؤلف السارد الذي تزاحمت عليه الأفكار والذكريات دفعة واحدة مثل شلة يصعب حلها وفك خيوطها؟ اهتدى الى تبني القصة الإطار، التي تدور حول "رجل مسكين يقود عربة يجرها حمار"، وضمنها قصصا فرعية، أهمها قصة القطة مع صاحب السمك، وقصة الشابة الأمريكية، صديقة السارد قبل اربعين سنة، وسماها في السرد اربع مرات، ولم يسم رفيقة دربه في الحياة، ومازالت. وكان في إمكانه أن يضمن قصصا اخرى. ولهذا كان المؤلف السارد محتارا في البداية كيف يسمي محكيه، القصة- القصص، كما أشار إلى ذلك. صيغة القصة الإطار والقصة او القصص الضمنية صيغة سردية معروفة في السرد الإنساني منذ " الف ليلة وليلة.
    ولعل ما يميز سرد هذه القصة هو تناوب السرد فيها بين السرد المباشر، السرد غير المباشر. يتمثل هذا السرد المباش في اللغة الواقعية التي تحاول ان ترجع السارد الى واقعية الأشياء المباشرة، مثل لغة صاحب الحمار ، ومحاولة تنبيه السارد الى عدم واقعية لغته، ولحظات اخرى مماثله ظهرت في مسار السرد. والسرد غير المباشر المتمثل الحوار الداخلي الذي يحكم السرد في جملته، وتجعل السارد يبوح لنفسه بتصوراته وآرائه فيما يشاهد امامه، وكأنه سرد تحت الماء، لا يطفو على السطح الا بالكتابة عنه، كما نراه الآن مكتوبا. وقد عبر هذا النوع من السرد على مدى ما يختزنه السارد المؤلف من مواقف وأفكار حول عالمه، مما جعله سرده سردا مكثفا متدفقا ايضا. ولعل هذا التدفق السردي كان يجعل السارد المؤلف يكتب ويعلق على الكتابة، حتى يوجه السرد وفق المسار الذي يريده، عندما يريد الانفلات منه من حين لآخر. وهذه التقنية السردية تجعل السارد يتدخل في سرده ويتحكم فيه لدواعي فنية خاصة. هل يمكن ان نصف هذا النوع من السرد بأنه٠ سرد مركب؟ ربما، لأنه يحاول ان يتحاشى السرد المنساب الذي يبقى خطيا فقط، في حين ان السرد المركب يريد ان يكسر كل مرة افق انتظار القارى التقليدي، ويجعله يشارك السارد في عالمه وربما يتساءل بدوره ويعيد النظر في بعض قناعاته. وتلك هي الوظيفة الأساسية التي يرمي اليها مثل هذا السرد، وربما يمتح السرد هنا من بعض خصائص السىد الانجلوساكسوني، ونجده كذلك عند بعض القصاصين والروائيين في العالم العربي.
    ثنيا: المحكي الذاتي
    لا يخفى على اي قارى لهذه القصة مدى حصور الذات الساردة للمؤلف، بحيث نجد محفز السرد ومنطلقه كان من عالم المؤلف المعلوم الذي يحدده بالمكان، في الهرهورة، هي بلدة في ضواحي الرباط. كما يتجلى في استعمال ضمير المتكلم والمخاطب في السرد، كأنه يخاطب صديقه او قارئه، وكذلك علاقة السرد بالمؤلف السارد افصح عنها السرد مرارا. بالإضافة الى إشارته الواضحة الى صديقته مارلا، منذ اربعين سنة، قبل ان يتعرف على شريكة حياته التي رافقته ومازالت في حياته. وكذلك إشاراته الواضحة الذاتية في نهاية قصته لما حاول استجماع تلابيب سرده وقصته، وما بقي لديه من افكار معلقة كثيرة. كل هذه الإشارات جعلت السارد المؤلف يتخذ من حياته وعالمه الخاص وذكرياته فضاء لجريان سرد "قصته- قصصه". ومثل هذا المحكي الذاتي المتخيل يعطي للسرد واقعيته ويقرب القارئ من عوالم معاشة حية حقيقية، تسمح باستحضار اماكن وحالات متشابهة، وتعطي للسرد واقعيته المغربية العالم ثالثية، بتعبير السارد، وبخاصة في صيغتها الإنجليزية الأولى الموجهة لقارئ بالإنجليزية، ربما في عالم مختلف عن عالم المؤلف، المغرب.
    ثالثا: العلاقة بين الإنساني والبيئي
    قد يكون جنس الكتابة والمحكي الذاتي مما ساعد السارد المؤلف على عرض عالمه في وسط بيئي عام، يجمع بين الإنسان والطبيعة والحيوان، ويؤطر كل ذلك الوسط الطبيعي، في مستوياته المترابطة المتداخلة. هل تخلى السارد المؤلف الانساني عن مركزيته وتحكمه في كل شيىء، الطبيعة الحيوان...؟ تحاول هذه القصة ان تزحزح بعض تلك المركزية، وإن لم تتخل عنها بعد. لقد ابرز السارد انه يريد ان ينبه الإنسان الى ما يحدثه من ضرر للحيوان، في حالة السارد وحالة صديقته مارلا، التي عبرت عن وعي متقدم بالرفق بالحيوان. ولكنها ما زالت في حالة تعاطف اولي عرفها مثل هذا التفكير متذ بداية الستينيات. وانه تعاطف ذاتي فردي يشكل بذرة للوعي بما يحدثه الإنسان من ضرر للطبيعة والحيوان، الذي هو جزء منها مثل الإنسان.
    غير ان العلاقة العميقة التي تعبر عن تفاعل السارد المؤلف مع بيئته، هو المتمثل في ذلك الحوار الداخلي الذي اداره السرد بشكل مطول حول تساؤلات السارد ووصفه الدقيق لصاحب الحمار، وعزيمة مارلا لتأنيب صاحب الحيوان عن فعله المعذب له، واصرارها أمام الناس. ربما السرد غير المباشر افصح عن الوعي الكامن في نفس السارد الذي لم يستطع أن يعبر عنه مثلما عبرت عنه مارلا. لماذا؟ ربما لأن السارد المؤلف وعالمه لم يتمثل بعد مثل هذه العلاقة، مثلما عبرت عنه مارلا الأمريكية التي عرفت تلك العلاقة بين الانسان والحيوان تقدما ثقافبا واجتماعيا وماديا.
    لعل خاتمة القصة قد جمعت إليها كل المؤجلات في ذهن المؤلف السارد، وهي كثيرة، ومنها التعبير بصيغ أوضح عن وعيه بعلاقته مع بيئته والفعل فيها لتغيير اشياء كثيرة. وقد نرى ذلك في إبداعات صاحب القصة المقبلة ما يشبع تطلعات وانتظاىات القارئ.

    تحياتي

    صديقي العزيز الناقد الكبير الدكتور أحمد بوحسن حفظه الله ورعاه،
    أشكرك على تكرمك بالمرور على القصة وثنائك الجميل على الترجمة، وهو ثناء أعتز به لأنه صادر من مترجم قدير حقاً.
    أما تحليلك النقدي للقصة ذاتها، فقد بهرني. ونظراً لتبحرك في المدارس النقدية، فأنت ترى بكل وضوح مداخل متعددة لمقاربة هذه القصة. ولو سألت صديقنا المبدع الدكتور حسن مكوار عن المدخل الذي يفضله، لاختار مدخل الحلويات، التي لا يقربها. سيشبّه لك قصته الجميلة بالحلوى الألمانية " كعكة الجبنة" Käsekuchen المسماة بالإنكليزية Cheesecake ، أو يشبهها بالحلوى الفرنسية " الكعكة المورقة " Mille feuilles، لأن هاتين الكعكتين مكونتان من طبقات متنوعة لها حلاوة قصته الجميلة.
    المهم، أكرر شكري لك، وأعرب عن تمنياتي لك بالصحة والهناء.
    معزّكم: علي القاسمي

    1.  

    تحياتي أولا وقبل كل شيء لمجلة المثقف التي نشرت قصتي المتواضعة كما تفضل ان ينقلها إلى لغة الضاد العلامة الدكتور علي القاسمي.

    لم أكن أتصور في زمن التريليونات من المنشورات العنكبوتية في كل دقيقة ان ينال النص حصة معتبرة من القراء والمعلقين.

    لكم جميعا تشكراتي الصادقة على قراءاتكم وتعليقاتكم وملاحظاتكم على حكاية تصورتها قبل كتابتها مثل الكعكة الفرنسية المسماة "ميل فأي" Mille feuilles المكونة من عدة مستويات متداخلة ومتشابكة في شكل يستحيل معه تحديد المكونات اللذيذة المختلفة.

    تحية خاصة لزميلي المقتدر الناقد احمد بوحسن وتذوقه لميل فأي الذي هو في الحقيقة كعكتين مختلفتين مختلطتين من لغتين الفرق بينهما هو الفرق بين العالمين الناطقين بالعربية والإنجليزية.

    حسن مكوار
    ٧ نوفمبر ٢٠٢٠

    مقالات ذات صلة